حين يصبح وجعُ الناس تجارةً: في زمنٍ انقسم فيه البشر بين ضحايا الجحيم وصُنّاعه
موسى المليكي
أعترفُ أن القلم بات ينزف قبل أن يكتب، وأن الحروف لم تعد تخرج من بين الأصابع حبرًا، بل تخرج مثقلةً بالدمع، كأنها تعرف مسبقًا أن لا جملة قادرة على وصف هذا الخراب، ولا استعارة تستطيع أن تحمل كل هذا الوجع.
صارت الكلمات حجارةً ثقيلة، تُجرّ على الورق جرًّا، ثم تُذرّ كالملح فوق جرحٍ قديم لا يريد أن يلتئم.
ماذا يمكن أن يقال في زمنٍ صار فيه الألم خبرًا عابرًا، والموت رقمًا في نشرة، والفقر مشهدًا مألوفًا، والظلم سياسةً، والخوف أسلوب حياة؟
كيف يمكن للكلمات أن تكون عادلة، حين يكون الواقع نفسه قد فقد عدالته؟
ربما لهذا السبب لم يعد القلم يبحث عن الجمال بقدر ما يبحث عن الحقيقة. ولم تعد الكتابة ترفًا، بل صرخةً في وجه الصمت. فهناك لحظات يصبح فيها السكوت نوعًا آخر من المشاركة، ويصبح الاعتياد على المأساة أخطر من المأساة نفسها.
في هذا العالم، يبدو أن البشر قد انقسموا إلى فريقين لا ثالث لهما.
فريقٌ أنهكه الألم حتى صار يحلم بالأمان كما يحلم العطشان بقطرة ماء.
وفريقٌ آخر تعلّم كيف يصنع من الألم سلعة، ومن الخوف سلطة، ومن حاجة الناس وسيلةً لتكديس المال والنفوذ.
الأول ألِفَ الحزن حتى أصبح الفرح عنده استثناءً.
والثاني أدمن القوة حتى أصبح الضعف عنده فرصةً للاستغلال.
الأول يبحث عن نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.
والثاني يحرص على إغلاق النوافذ كلها، حتى لا يرى المظلومون طريقًا للخروج.
وبين الاثنين، تتسع المسافة، ويزداد العالم قسوة.
هناك إنسانٌ لم يعد يطلب من الحياة كثيرًا.
لا يريد قصرًا، ولا ثروة، ولا سلطة.
يريد فقط أن يستيقظ صباحًا دون أن يخاف من الغد.
يريد أن يعود أبناؤه إلى البيت سالمين.
يريد خبزًا لا يحتاج للحصول عليه إلى إذلال نفسه.
يريد دواءً حين يمرض، ومدرسةً حين يتعلم، وسقفًا حين تمطر السماء.
يريد أن يعيش حياته دون أن يتحول بقاؤه إلى معركة يومية.
لكن حتى هذه الأشياء البسيطة أصبحت، في أماكن كثيرة، أحلامًا مؤجلة.
صار الأمان عملةً نادرة.
وصار الحلم امتيازًا لا حقًا.
وصار الإنسان الفقير مطالبًا بأن يبرر فقره، والنازح مطالبًا بأن يشرح نزوحه، والجائع مطالبًا بالصبر، والمظلوم مطالبًا بالصمت، والضحية مطالبةً بأن تتحمل أكثر.
وكأن العالم قرر، في لحظةٍ ما، أن يسأل الضحية عن سبب الجرح بدل أن يسأل من الذي طعنها.
وفي الجهة الأخرى، يقف أولئك الذين اكتشفوا أن السلطة لا تمنح صاحبها القوة فحسب، بل تمنحه أحيانًا القدرة على إعادة تعريف الحقيقة.
هؤلاء لا يرون في دموع الناس مأساة، بل أرقامًا في دفاتر الحسابات.
لا يرون في الفقر عارًا يجب أن ينتهي، بل سوقًا مفتوحة.
لا يرون في الخوف مرضًا يجب علاجه، بل أداةً مثالية للحكم.
كلما ازداد الناس خوفًا، ازداد نفوذهم.
كلما اتسعت الحاجة، اتسعت تجارتهم.
كلما انكسر الإنسان، ارتفعت قيمة من يملك مفتاح نجاته.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فالظلم لا يعيش بالقوة وحدها، بل يعيش حين يتحول إلى منظومة، وحين يصبح الألم مصدرًا للربح، والخوف وسيلةً للإدارة، والفقر موردًا سياسيًا، والإنسان مجرد رقم يمكن تحريكه في معادلة المصالح.
ما أقسى أن يصل المجتمع إلى اللحظة التي يصبح فيها وجع الإنسان مادةً للاستهلاك.
تُلتقط الصور.
تُكتب التقارير.
تُلقى الخطب.
تُرفع الشعارات.
ثم يعود كل شيء إلى مكانه.
يبقى الفقير فقيرًا.
ويبقى المظلوم مظلومًا.
ويبقى صاحب السلطة في مكانه.
ويبقى صاحب المال أكثر ثراءً.
أما الإنسان الذي حمل وجعه أمام العالم، فيعود إلى بيته حاملًا الوجع نفسه، وربما أكثر.
لقد أصبحنا نعيش في زمنٍ يمكن فيه لمشهد مأساوي أن يشعل وسائل التواصل الاجتماعي لساعات، ثم يختفي في اليوم التالي تحت سيلٍ جديد من الأخبار.
مأساةٌ تُنسى لأن مأساةً أخرى وصلت.
وجهٌ يبكي يُستبدل بوجهٍ آخر.
طفلٌ خائف يُستبدل بطفلٍ آخر.
مدينةٌ مدمرة تتراجع في عناوين الأخبار عندما تظهر مدينةٌ جديدة على حافة الكارثة.
وهكذا يتحول الألم إلى موسم.
والدم إلى خبر عاجل.
والإنسان إلى محتوى.
وهذه، ربما، إحدى أكثر صور القسوة حداثةً: أن نرى المأساة بكامل تفاصيلها، ثم نعتاد عليها.
لكن المشكلة ليست في قسوة الزمن وحدها.
فالزمن لا يظلم أحدًا من تلقاء نفسه.
الزمن يمر.
والبشر هم الذين يقررون ماذا يفعلون بهذا المرور.
هناك من يخرج من الألم أكثر رحمة.
وهناك من يخرج منه أكثر قسوة.
هناك من ذاق الفقر فقرر أن يطعم الجائع.
وهناك من ذاق الحاجة فقرر أن يحتكر ما يحتاجه الآخرون.
هناك من عانى الظلم فاختار أن يكون صوتًا للمظلومين.
وهناك من عانى الظلم، ثم قرر أن يصبح نسخةً أكثر شراسةً من الظالم الذي كرهه يومًا.
وهنا لا يعود السؤال: لماذا قست الحياة؟
بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا:
لماذا يسمح الإنسان لنفسه أن يصبح قاسيًا إلى الحد الذي يجعله قادرًا على النوم فوق أنين الآخرين؟
أي نوع من الأرواح يستطيع أن يسمع بكاء أم فقدت طفلها ثم يواصل اجتماعًا يناقش الأرباح؟
أي قلب يستطيع أن يرى طابور الجائعين ثم يساومهم على أبسط حقوقهم؟
أي ضمير يمكنه أن يعرف أن الناس يخافون، ثم يستثمر في خوفهم بدل أن يبدده؟
إن أخطر ما يحدث للمجتمعات ليس أن يكثر فيها الظالمون فقط، بل أن يعتاد الناس وجود الظلم.
فالظلم في بدايته صدمة.
ثم يصبح خبرًا.
ثم يصبح مشهدًا مألوفًا.
ثم يصبح جزءًا من الحياة.
وفي اللحظة التي يقول فيها الإنسان: «هكذا هي الدنيا»، يبدأ الظلم في الانتصار الحقيقي.
لأن الطغيان لا يحتاج دائمًا إلى أن يقمع الجميع بيده.
يكفي أحيانًا أن يقنعهم بأن لا فائدة من المقاومة.
يكفي أن يجعل اليأس عادة.
أن يجعل الخوف عقلًا.
أن يجعل الصمت حكمة.
أن يجعل النجاة الفردية أهم من العدالة الجماعية.
عندها يصبح كل شخص منشغلًا بإنقاذ نفسه، بينما ينهار البيت كله من حوله.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نكتب عن هذا الخراب وكأن الإنسانية قد انتهت.
ففي أكثر الأزمنة سوادًا، يبقى هناك من يرفض أن يتحول إلى حجر.
يبقى الطبيب الذي يعمل رغم التعب.
والمعلم الذي يحمل رسالته رغم الفقر.
والأم التي تقاوم من أجل أطفالها.
والصحفي الذي يصر على قول الحقيقة.
والعامل الذي يكسب رزقه بكرامة.
والشاب الذي يرفض أن يبيع ضميره مقابل فرصة.
والإنسان البسيط الذي، رغم كل ما خسره، ما زال قادرًا على مد يده إلى شخصٍ آخر.
هؤلاء هم الذين يمنحون العالم فرصةً جديدة.
هم الدليل على أن القسوة ليست قدرًا أبديًا.
وأن الإنسان، مهما حاصرته الظروف، يستطيع أن يختار ألا يكون جلادًا.
ربما لهذا ينبغي أن نعيد تعريف القوة.
القوة ليست أن تجعل الآخرين يخافون منك.
وليست أن تمتلك المال الذي يجعل الناس يطرقون بابك مضطرين.
وليست أن تجلس في مكان مرتفع بينما يقف الآخرون تحتك عاجزين.
القوة الحقيقية هي أن تستطيع الظلم ولا تظلم.
أن تستطيع الانتقام ولا تنتقم.
أن تملك القدرة على استغلال ضعف إنسان، ثم تختار أن تحميه بدل أن تستغله.
أما السلطة التي لا تُنتج عدلًا، والثروة التي لا تصنع كرامة، والنفوذ الذي لا يحمي الضعفاء، فكلها أشكال مختلفة من القوة العمياء.
قد تخيف الناس لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تصنع احترامًا حقيقيًا.
لقد طال الليل.
وطال انتظار الذين تعبوا من الانتظار.
لكن الشعوب لا تنسى إلى الأبد.
قد تصمت.
قد تتعب.
قد تنشغل بلقمة عيشها.
قد تتراجع أمام الخوف.
لكنها تحتفظ في ذاكرتها بكل شيء.
تتذكر من وقف معها حين انحنى الجميع.
وتتذكر من باعها حين كانت في أشد الحاجة.
تتذكر اليد التي امتدت لإنقاذها.
وتتذكر اليد التي دفعتها نحو الهاوية.
والتاريخ، مهما تأخر، لا يترك الحساب مفتوحًا إلى الأبد.
نحن لا نحتاج إلى عالمٍ بلا ألم؛ فهذا حلم مثالي لا وجود له.
لكننا نحتاج إلى عالمٍ لا يتحول فيه الألم إلى تجارة.
نحتاج إلى سلطة تخاف من القانون، لا إلى قانون يخاف من السلطة.
نحتاج إلى مالٍ يُستخدم لبناء الحياة، لا إلى حياة الناس تُستخدم لبناء المال.
نحتاج إلى إعلامٍ يرى الإنسان قبل الرقم، وإلى خطابٍ سياسي يرى المواطن قبل الكرسي، وإلى مجتمعٍ لا يسأل المظلوم لماذا لم يكن أقوى، بل يسأل الظالم لماذا اختار أن يكون ظالمًا.
نحتاج، قبل كل شيء، إلى أن نستعيد إنسانيتنا.
فالحضارة لا تُقاس بعدد الأبراج التي ترتفع في السماء، ولا بحجم الحسابات المصرفية، ولا بعدد السيارات الفارهة التي تعبر الشوارع.
الحضارة تُقاس بالسؤال البسيط الذي يجب أن يبقى حاضرًا في ضمير كل مجتمع:
كيف يعيش أضعف إنسان بيننا؟
فإذا كان يعيش خائفًا، جائعًا، مكسورًا، بلا أمان ولا كرامة، فكل مظاهر الازدهار الأخرى تصبح مجرد واجهة لبيتٍ جميل يحترق من الداخل.
لهذا أكتب.
ليس لأن القلم قادر على إيقاف الظلم.
ولا لأن الكلمات تستطيع وحدها أن تطعم جائعًا أو تعيد ميتًا أو تشفي جرحًا.
أكتب لأن الصمت، حين يطول أمام المأساة، قد يصبح شريكًا فيها.
وأكتب لأن الحروف، مهما بدت ضعيفة، تستطيع أن تحفظ الحقيقة من الموت.
وأكتب لأن هناك من يحتاج أن يعرف أن ألمه لم يمر دون أن يراه أحد.
أن وجعه ليس رقمًا.
وأن دمعته ليست تفصيلًا هامشيًا.
وأن الإنسان الذي سحقته الحياة ليس أقل قيمة من الإنسان الذي منحته الحياة كل شيء.
وأكتب أيضًا لأولئك الذين ظنوا أن امتلاك السلطة يمنحهم الحق في امتلاك البشر.
ليتذكروا أن الكراسي مؤقتة، وأن الثروات عابرة، وأن الجدران العالية لا تحمي أحدًا من ذاكرة الناس، وأن التاريخ لا يسأل في نهايته: كم كان نفوذك؟
بل يسأل:
ماذا فعلت بهذا النفوذ؟
هل أنقذت إنسانًا؟
أم كسرت إنسانًا؟
هل فتحت بابًا للنجاة؟
أم أغلقت الأبواب كلها؟
هل كنت سببًا في أن ينام طفلٌ آمنًا؟
أم كنت واحدًا من الذين جعلوا العالم أكثر خوفًا؟
لقد انقسم البشر فعلًا بين من ألفوا الألم حتى صاروا يبحثون عن مجرد مساحة صغيرة من الأمان، وبين من أدمنوا البطش حتى صاروا يرون في جراح الآخرين فرصةً جديدة للصعود.
لكن المعركة الحقيقية ليست بين الفقير والغني، ولا بين الضعيف والقوي، ولا بين من يملك ومن لا يملك.
المعركة الحقيقية هي بين الإنسانية ونقيضها.
بين من يرى في الإنسان إنسانًا، ومن يراه رقمًا.
بين من يعتبر السلطة أمانة، ومن يعتبرها غنيمة.
بين من يرى المال وسيلةً للحياة، ومن يرى حياة الناس وسيلةً لجمع المال.
بين من يسمع أنين المظلوم فيتحرك ضميره، ومن يسمعه فيبتسم لأنه يعرف أن الألم، بالنسبة إليه، استثمار مربح.
وفي النهاية، ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأقوياء.
إنه يحتاج إلى مزيد من البشر.
بشرٍ لا يجعلون من جراح الآخرين سلّمًا يصعدون عليه.
بشرٍ لا يتاجرون بالخوف.
بشرٍ لا يبيعون الكرامة في أسواق السلطة.
بشرٍ إذا امتلكوا القدرة على البطش، اختاروا الرحمة.
فالأزمنة القاسية لا تكشف فقط حجم الخراب الذي حولنا، بل تكشف أيضًا معدن الإنسان الذي بداخلنا.
ويبقى السؤال مفتوحًا، ثقيلًا كالحجر:
حين يأتي دورنا في الاختيار… هل سنكون ممن أكلهم الألم، أم ممن صنعوا منه تجارة؟
وهل سنترك هذا العالم كما وجدناه، أم نترك وراءنا سببًا واحدًا يجعل إنسانًا آخر يؤمن بأن الرحمة ما زالت ممكنة؟