حوارات وتقارير عين عدن

قيادات بلا كفاءة وكرامة مواطن مهدرة.. كيف عمّق مجلس القيادة والحكومة معاناة اليمنيين في المحافظات المحررة.. ؟ (تقرير)


       
تقرير - عين عدن - خاص :
لم تعد معاناة المواطن اليمني في المحافظات المحررة مرتبطة فقط بتداعيات الحرب أو الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد. بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأداء مؤسسات يفترض أنها وجدت لحماية المواطن وصون كرامته وإدارة موارده وتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وفي مقدمة تلك المؤسسات مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اللذان يواجهان انتقادات متزايدة بسبب ضعف الأداء واستمرار الأزمات الخدمية والمعيشية واتساع الفجوة بين المسؤول والمواطن. فبعد سنوات من الوعود ما زال اليمني يبحث عن الكهرباء والمياه والراتب والأمن والخدمات الأساسية في مشهد يعكس حجم الاختلال الذي أصاب مؤسسات الدولة.
 
 
وتتضاعف حالة الغضب الشعبي مع شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن اختيار بعض القيادات في مجلس القيادة والحكومة لم يقم دائما على معيار الكفاءة والقدرة على إدارة المرحلة الصعبة. وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أداء المؤسسات وعلى حياة الناس اليومية. فالمواطن الذي تحمل سنوات الحرب وانتظر بناء مؤسسات قادرة على استعادة الدولة وجد نفسه أمام أزمات متكررة وخدمات متدهورة ومسؤولين يعيش بعضهم بعيدا عن واقع المجتمع. الأمر الذي جعل قضية كرامة المواطن تتصدر النقاش العام باعتبارها معيارا أساسيا للحكم على نجاح السلطة أو فشلها.
 
 
ولا تتمثل إهانة كرامة اليمني في كلمة أو موقف عابر بقدر ما تظهر في استمرار مواطنته المنقوصة أمام مؤسسات لا توفر له أبسط حقوقه. فحين يقضي ساعات طويلة دون كهرباء ويبحث عن المياه ويترقب راتبه المتأخر ويواجه ارتفاع الأسعار ثم يرى استمرار الإنفاق والامتيازات والتعيينات داخل مؤسسات السلطة فإن الشعور بالخذلان يصبح أعمق. ومن هنا تتصاعد المطالب بمراجعة معايير اختيار القيادات في مجلس القيادة والحكومة وإسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والنزاهة والخبرة. لأن إدارة الدولة ليست مكافأة سياسية أو امتيازا شخصيا. بل مسؤولية وطنية ترتبط مباشرة بكرامة ملايين اليمنيين.
 
 
 
 
المسبحي: المسؤول المعزول عن معاناة الناس لا يستطيع إدراك حجم أزماتهم
 
يرى الكاتب الصحفي محمد المسبحي أن السؤال الأكثر إيلاما اليوم لا يتعلق بمدى حب المواطن لدولته أو استمرار إيمانه بمؤسساتها. بل بمدى شعوره بأن هذه الدولة تحترمه بالفعل. ويشير إلى أن الواقع اليومي في المحافظات المحررة يقدم مشاهد يصعب تجاوزها مهما كثرت الخطابات الرسمية. فالمواطن الذي عاش أكثر من عشرة أعوام من الحرب والانقسام وتدهور الخدمات ما زال يواجه أزمات الكهرباء والمياه والأوضاع الأمنية والمعيشية. بينما يعيش بعض صناع القرار داخل مناطق محصنة أو خارج البلاد بعيدا عن التفاصيل اليومية التي تثقل حياة الناس.
 
 
ويؤكد المسبحي أن القضية ليست اعتراضا على أن يعيش المسؤول حياة كريمة. وإنما تكمن المشكلة في المسافة الهائلة التي أصبحت تفصل حياة المسؤول عن حياة المواطن الذي يفترض أن القرارات تتخذ لخدمته. ويتساءل كيف يمكن لمسؤول لا يعاني من انقطاع الكهرباء ولا يبحث عن المياه ولا يقلق على مستقبل أبنائه أن يشعر بالضغط نفسه الذي يعيشه المواطن. وكيف يستطيع من يعيش بعيدا عن المعاناة اليومية أن يدرك أن ساعات انقطاع الكهرباء ليست مجرد أرقام في التقارير وأن أزمة المياه ليست بندا عاديا في محاضر الاجتماعات.
 
 
ويشدد الكاتب الصحفي على أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول حياة المسؤول إلى جزيرة منفصلة تماما عن حياة المجتمع. فالمواطن اليمني دفع من أمنه وماله ومستقبل أبنائه ثمنا باهظا خلال سنوات الحرب. ولم يكن عندما واجه الأخطار يبحث عن مكافأة سياسية أو امتياز خاص. وإنما كان يبحث عن وطن يحميه ودولة تصون حقوقه وتحفظ كرامته. ولهذا يصبح من غير المقبول أن يطالب المواطن بأداء واجباته كاملة ثم يجد نفسه عند المطالبة بحقوقه الأساسية أمام مؤسسات عاجزة عن توفير أبسط الخدمات التي يفترض أن تكون من صميم مسؤولياتها.
 
 
 
 
الخدمات حقوق وليست مِنَحا.. والمواطن ينتظر دولة تعيد إليه مكانته وكرامته
 
ويشير محمد المسبحي إلى أن المواطنين لا ينتظرون المعجزات ولا يطالبون بقصور أو طرق من ذهب. وإنما يريدون دولة تقوم بالحد الأدنى من وظائفها الأساسية. دولة توفر كهرباء مستقرة ومياها مستمرة وصالحة للشرب وأمنا ومؤسسات فاعلة وعدالة لا تفرق بين المواطنين. والأهم من ذلك أن يشعر اليمني بأنه مواطن كامل الحقوق قبل أن يجري تصنيفه وفقا لحزب أو مكون أو منطقة. لأن الدولة التي تضع الانتماءات الضيقة قبل المواطنة تهدم بنفسها الأساس الذي يفترض أن تقوم عليه مؤسساتها.
 
 
ويلفت المسبحي إلى أن المعركة الأساسية أمام الحكومة تتمثل في نقل المواطن من خانة المستفيد المحتمل من الخدمة إلى خانة صاحب الحق الأصيل فيها. فالخدمة العامة ليست منة تقدمها السلطة متى أرادت. والراتب ليس صدقة. والأمن ليس امتيازا. والكهرباء والمياه ليستا هدية سياسية. وإنما هي وظائف أساسية للدولة وحقوق للمواطن يملك أن يسأل عنها ويحاسب المسؤول عند التقصير في توفيرها. ولذلك فإن استعادة ثقة المجتمع لا تبدأ بالبيانات والتصريحات وإنما تبدأ عندما يلمس المواطن تغيرا حقيقيا في حياته.
 
 
ويؤكد الكاتب الصحفي أن الدولة التي تريد من مواطنيها احترامها مطالبة بأن تمنحهم أسبابا حقيقية لهذا الاحترام. فاليمني الذي تحمل الحرب والإرهاب والانقسام والفقر ما زال يمتلك القدرة على إعادة بناء بلده إذا وجد مؤسسة تحترمه وتؤمن بدوره. وهذا المواطن لا يحتاج إلى دولة تطالبه بالإيمان بها في كل خطاب. بل يحتاج إلى دولة تؤمن به أولا وتحترم حقوقه وتعيد إليه كرامته. لأن احترام الإنسان هو الطريق الأقصر لتحويله إلى سند للدولة. بينما استمرار غياب المؤسسات عن حياته اليومية سيعمق فجوة الثقة مهما ارتفعت الشعارات.
 
 
 
 
نشطاء: هل أصبحت امتيازات القيادات أهم من كرامة المواطن اليمني؟
 
ويرى نشطاء أن المشهد يفرض سؤالا لا يمكن الهروب منه حول ما إذا كانت كرامة المواطن اليمني أقل أهمية من بقاء قيادات أثبت الواقع عجز بعضها عن تقديم حلول حقيقية للأزمات. فالمناصب العليا ليست غاية في ذاتها ولا ينبغي أن تتحول إلى مساحة مغلقة لتوزيع النفوذ والامتيازات. ومع استمرار الحديث عن الفساد والتعيينات القائمة على اعتبارات سياسية أو مناطقية يصبح من حق المجتمع أن يطالب بمعرفة المعايير التي يجري على أساسها اختيار المسؤولين. ومن حقه أيضا أن يسأل عن النتائج التي حققها كل مسؤول مقابل ما يحصل عليه من صلاحيات وامتيازات.
 
 
ويضيف نشطاء أن استمرار الأزمات عاما بعد آخر يضع مجلس القيادة والحكومة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية لا يمكن تحميلها للمواطن. فالمواطن لم يختر انقطاع الكهرباء ولا تدهور المياه ولا تأخر الرواتب ولا ضعف المؤسسات. كما أنه ليس مسؤولا عن الصراعات السياسية أو المحاصصة أو التعيينات غير القائمة على الكفاءة. ومن غير المنطقي أن يتحمل وحده فاتورة الفشل بينما تستمر بعض القيادات في مواقعها وكأن ما يحدث خارج مكاتبها لا يعنيها. إن كرامة اليمني يجب أن تكون أعلى من أي منصب وأهم من أي مسؤول وأسبق من أي تسوية سياسية أو حسابات ضيقة.
 
 
ويخلص النشطاء إلى أن المرحلة تحتاج إلى مراجعة جادة وشجاعة لأداء مجلس القيادة والحكومة وإلى تقديم معيار الكفاءة والنزاهة والمساءلة على معايير المحاصصة والولاءات والانتماءات المناطقية. فالدولة لا تبنى بتكثير المناصب ولا بالتعيينات التي لا تنعكس على حياة الناس. وإنما تبنى عندما يعرف المسؤول أنه سيحاسب على أدائه وأن بقاءه في منصبه مرتبط بما يقدمه للمواطن. واليمنيون الذين تحملوا سنوات الحرب والفقر وانهيار الخدمات يستحقون مؤسسات تحترم تضحياتهم وتحفظ حقوقهم. لأن كرامة المواطن ليست تفصيلا يمكن تأجيله. بل هي أساس شرعية أي سلطة تريد أن تحظى بثقته واحترامه.