أحمد علي يضع الشرعية أمام مرآة إخفاقاتها.. غياب عن الداخل وقرار موزع بين الخارج والأزمات تتفاقم (تقرير)
تقرير - عين عدن - خاص :
باتت حالة الغياب التي تعيشها مؤسسات الشرعية اليمنية عن الداخل واحدة من أبرز أوجه الأزمة التي أثقلت كاهل المواطنين خلال السنوات الماضية، فبين مجلس قيادة رئاسي وحكومة ومؤسسات يفترض أن تكون في قلب المشهد وتتحمل مسؤولية إدارة الدولة، يجد المواطن نفسه أمام واقع معيشي وخدمي واقتصادي بالغ الصعوبة، في ظل تراجع حضور الدولة وضعف قدرتها على معالجة الملفات الأكثر ارتباطاً بحياة الناس، من المرتبات والخدمات إلى العملة والاقتصاد والأمن، وهي ملفات أعاد السفير أحمد علي عبدالله صالح وضعها في واجهة النقاش السياسي من خلال انتقادات مباشرة لأداء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومؤسسات الدولة.
وتكشف الانتقادات التي طرحها أحمد علي عن أزمة تتجاوز الإخفاق الخدمي إلى طبيعة إدارة الدولة نفسها، إذ طالب مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بالانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل والعودة إلى الداخل والوجود بين أبناء الشعب ومشاركتهم معاناتهم اليومية، مؤكداً أن الوطن لا يُدار من خلف الشاشات ولا بإصدار القرارات ولا يُبنى عن بُعد، وهي عبارات حملت انتقاداً واضحاً لابتعاد مؤسسات الشرعية عن الواقع الذي يعيشه المواطن وللفجوة المتزايدة بين المسؤولين والشعب في وقت تتفاقم فيه الأزمات دون حلول جذرية.
قرار وطني موزع وشرعية تستمد قوتها من الخارج
ولم تتوقف انتقادات أحمد علي عبدالله صالح عند غياب مؤسسات الدولة وتراجع الخدمات، بل انتقلت إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية وهي استقلال القرار الوطني، إذ أكد أن اليمن لا يمكن أن يستعيد عافيته ما دام قراره الوطني موزعاً بين الحسابات الخارجية والصراعات الإقليمية والدولية، داعياً إلى استعادة القرار اليمني المستقل وصون سيادة البلاد وبناء مؤسسات قوية قادرة على ممارسة صلاحياتها بعيداً عن المشاريع الضيقة، في رسالة تضع مسألة استقلال القرار في صميم أي مشروع جاد لاستعادة الدولة وإنهاء حالة التشتت التي تعيشها البلاد.
وكانت رسالته أكثر وضوحاً عندما أكد أن الشرعية لا تستمد قوتها من العواصم الخارجية وإنما من حضورها بين شعبها وقدرتها على حماية مصالحه وتوفير احتياجاته، وهو انتقاد مباشر لنمط إدارة السلطة خلال السنوات الماضية واعتمادها على وجودها وعلاقاتها الخارجية في الوقت الذي تراجع فيه حضورها الفعلي في الداخل، فاستمرار هذا الواقع بحسب مضمون حديثه لا يمكن أن يؤسس لدولة قوية، خصوصاً مع الحاجة إلى توحيد الموارد والقرار وتفعيل القضاء والأمن والاقتصاد وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
تعدد الولاءات والانقسامات يعرقلان استعادة الدولة
وفي الجانب العسكري والسياسي وضع أحمد علي عبدالله صالح يده على معضلة أخرى تتمثل في تعدد الولاءات والمشاريع داخل القوى المناهضة لمليشيا الحوثي، إذ دعا إلى بناء قوات مسلحة وأمنية ذات عقيدة وطنية خالصة يكون ولاؤها لليمن والجمهورية والدستور وليس للأشخاص أو الجماعات أو المشاريع الضيقة، وهي دعوة تحمل في مضمونها انتقاداً لحالة التشظي العسكري والأمني ووجود تشكيلات وقوى متعددة الولاءات في وقت يفترض فيه أن تتوحد جميع الإمكانات تحت مظلة مؤسسات الدولة وأهدافها الوطنية.
وربط أحمد علي بين استمرار هذه الانقسامات وتعثر معركة استعادة الدولة وصنعاء، مؤكداً أن مواجهة المشروع الحوثي لا يمكن أن تتم عبر الاقتتال الداخلي أو تصفية الحسابات أو المزيد من الصراعات بين القوى المناهضة للحوثيين، وأن استعادة مؤسسات الدولة تتطلب جبهة وطنية جامعة وإرادة موحدة وقراراً سياسياً شجاعاً وقوة عسكرية وأمنية منظمة، وهو ما يضع مجلس القيادة والحكومة أمام مسؤولية إنهاء حالة التباين وتوحيد الصف والموارد والقرار بدلاً من استمرار صراعات جانبية تستنزف القوى المناهضة للحوثيين وتبعدها عن هدفها الرئيسي.
خطاب أصاب مكمن الخلل وجدّد الجدل حول شرعية الأداء
ويرى نشطاء ومحللون وسياسيون أن أحمد علي عبدالله صالح أصاب في حديثه مكمن الخلل الذي تعاني منه مؤسسات الشرعية منذ سنوات، خصوصاً عندما ربط قوة الشرعية بوجودها بين المواطنين وقدرتها على حماية مصالحهم وتوفير احتياجاتهم وليس بوجود قياداتها في العواصم الخارجية، معتبرين أن تراجع الخدمات وانقطاع المرتبات والاضطرابات الاقتصادية وضعف المؤسسات واستمرار حالة الانقسام كلها عوامل أضعفت ثقة شريحة من المواطنين بمجلس القيادة الرئاسي والحكومة وأثارت تساؤلات متزايدة بشأن قدرتهما على إدارة المرحلة وتحمل مسؤولياتهما.
ويذهب منتقدون لأداء السلطة إلى أن الشرعية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد صفة سياسية وقانونية منفصلة عن الواقع، وأن استمرار الغياب وضعف الإنجاز وتفاقم معاناة المواطنين قد يؤدي إلى مزيد من تآكل شرعية الأداء والثقة الشعبية، مؤكدين أن استعادة هذه الثقة تبدأ بعودة مؤسسات الدولة إلى الداخل وتوحيد القرار والموارد وتحمل المسؤولية المباشرة عن الخدمات والمرتبات والاقتصاد والأمن، وتحويل القرارات والوعود إلى نتائج يلمسها المواطن على الأرض، باعتبار أن حضور الدولة وفاعليتها وقدرتها على خدمة المجتمع تظل المعيار الأهم للحكم على نجاح مؤسساتها أو إخفاقها.