سياسيون لمجلس القيادة: كيف تقنعون الشمال بالتحرير..؟.. قدموا أولًا نموذجًا أفضل في المحافظات المحررة (تقرير)
تقرير - عين عدن - خاص :
يرى سياسيون وكتاب يمنيون أن الحديث المتكرر عن استعادة صنعاء وتحرير المحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي يحتاج قبل كل شيء إلى نموذج سياسي واقتصادي وخدمي ناجح في المحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي. ويؤكدون أن المواطن في المحافظات الشمالية لن ينظر إلى شعارات التحرير بمعزل عن الواقع الذي يراه في عدن وحضرموت وشبوة ومأرب وتعز وغيرها من المحافظات. فالمواطن الذي يعيش تحت سلطة الحوثيين يراقب أسعار الصرف ومستوى الخدمات وانتظام المرتبات والأمن والكهرباء والمياه والأوضاع المعيشية في مناطق الحكومة. ومن هنا يصبح نجاح إدارة المحافظات المحررة جزءًا أساسيًا من معركة استعادة بقية المحافظات. فالناس تريد أن تعرف إلى أي نموذج ستنتقل بعد التحرير. وهل ستتحسن حياتها بالفعل أم ستنتقل من أزمة إلى أزمة أخرى. وهذه الأسئلة أصبحت حاضرة بقوة في النقاش السياسي اليمني مع استمرار تراجع الخدمات وتفاقم الأوضاع الاقتصادية والمعيشية.
ويشير سياسيون إلى أن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة أمام مسؤولية كبيرة في تحويل المحافظات المحررة إلى نموذج يمكن تقديمه لليمنيين باعتباره البديل الأفضل عن سلطة الحوثيين. فالمعركة في نظرهم ليست عسكرية فقط ولا تقاس بعدد الجبهات والتحركات السياسية. بل هناك معركة أخرى لا تقل أهمية تتعلق بثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها وقدرتها على توفير أبسط متطلبات الحياة. وكلما نجحت الحكومة في تحسين قيمة العملة وانتظام المرتبات وتوفير الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية فإنها تعزز موقفها أمام المواطنين في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين. وفي المقابل فإن استمرار الأزمات في مناطقها يمنح خصومها فرصة لاستخدام تلك الأوضاع في خطابهم السياسي والإعلامي. ولهذا فإن بناء نموذج ناجح في المناطق المحررة لا يمثل قضية خدمية فحسب. بل يمثل ضرورة سياسية ووطنية مرتبطة بصورة الدولة التي يُراد استعادتها في صنعاء وبقية المحافظات.
وتطرح هذه الرؤية سؤالًا جوهريًا أمام مجلس القيادة الرئاسي والحكومة حول كيفية إقناع ملايين اليمنيين في المحافظات الشمالية بمشروع استعادة الدولة بينما يشاهدون أزمات متلاحقة في المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة. فالمواطن لا يقارن بين الخطابات وحدها. بل يقارن بين الأسعار والمرتبات والخدمات وفرص العمل والأمن والاستقرار ومستوى معيشة أسرته. ومن الصعب أن يتحول شعار التحرير إلى مشروع يحظى بتأييد شعبي واسع ما لم يرتبط بصورة واضحة لحياة أفضل بعد التحرير. ولذلك يرى سياسيون أن الطريق إلى صنعاء يمر أيضًا عبر نجاح عدن والمحافظات المحررة. وأن أي إنجاز اقتصادي أو خدمي أو مؤسسي يتحقق في تلك المناطق يمكن أن يتحول إلى رسالة سياسية أقوى من كثير من الخطب والبيانات. لأن المواطن عندما يرى دولة ناجحة وقادرة على إدارة مناطقه سيكون أكثر استعدادًا للانحياز إليها والدفاع عن مشروعها.
السخياني: نموذج الدولة يبدأ من العملة والخدمات
وفي هذا السياق قال الكاتب السياسي أحمد السخياني إن الشرعية إذا كانت تريد فعلًا تحرير صنعاء فعليها أن تبدأ أولًا بإصلاح أوضاع المناطق الواقعة تحت إدارتها. ووضع السخياني قضية العملة في مقدمة الأولويات التي ينبغي معالجتها. معتبرًا أن من الصعب الحديث عن نموذج اقتصادي أفضل بينما تتسع الفجوة في أسعار الصرف بين صنعاء ومناطق الحكومة. وأشار إلى أن دعم العملة وتوفير الخدمات ومعالجة أوضاع الموظفين الذين تعرضوا للتهميش خلال السنوات الماضية تمثل خطوات ضرورية قبل مطالبة المواطنين في المحافظات الشمالية بالانحياز إلى مشروع استعادة الدولة. ويرى السخياني أن قوة أي مشروع سياسي لا تأتي فقط من الشعارات التي يرفعها. بل من قدرته على تقديم حياة أفضل للمواطنين. ولهذا فإن معالجة الاختلالات الاقتصادية والإدارية والخدمية في المحافظات المحررة ستكون في نظره جزءًا مباشرًا من المعركة السياسية مع الحوثيين.
وأوضح السخياني أن نجاح الحكومة في بناء نموذج أفضل داخل المناطق الخاضعة لها سيجعل قرار استعادة صنعاء أكثر قدرة على كسب التأييد الشعبي. فالمواطن في صنعاء أو عمران أو ذمار أو إب أو غيرها من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين يحتاج إلى أن يرى بديلًا حقيقيًا يستطيع أن يثق به. وإذا شاهد استقرارًا اقتصاديًا وخدمات أفضل ومؤسسات تعمل بصورة منتظمة في مناطق الحكومة فإن ذلك قد يدفع قطاعًا واسعًا من المواطنين إلى النظر إلى استعادة الدولة باعتبارها فرصة للخروج من واقعهم الحالي. ويرى السخياني أن هذا العامل قد يكون أكثر تأثيرًا من الخطاب السياسي التقليدي. لأن الناس في النهاية تبحث عن الأمن والاستقرار والراتب والخدمات وفرص العيش الكريم. ومن هنا يصبح نجاح الحكومة في المناطق المحررة عاملًا مؤثرًا في الداخل الخاضع للحوثيين وليس مجرد إنجاز محلي محدود.
ويربط السخياني بين نجاح نموذج الحكم في المحافظات المحررة وبين إمكانية حدوث تحرك شعبي من داخل المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. معتبرًا أن المواطن عندما يرى بديلًا أفضل وحياة أكثر استقرارًا يمكن أن يصبح أكثر استعدادًا لرفض سلطة الحوثيين. أما إذا كان النموذج المقابل يعاني بدوره من تدهور اقتصادي وانهيار في الخدمات وتأخر المرتبات واتساع دائرة المعاناة فإن القدرة على إقناع المواطنين بالتغيير تصبح أكثر صعوبة. ولذلك فإن إصلاح الوضع الاقتصادي والخدمي ليس ملفًا منفصلًا عن مشروع استعادة صنعاء. بل هو في جوهر هذا المشروع. وكل تحسن يتحقق في المحافظات المحررة يمكن أن يصبح رسالة إلى الشمال بأن الدولة قادرة على تقديم البديل. وكل إخفاق في تلك المناطق قد يتحول في المقابل إلى عامل يضعف هذه الرسالة ويزيد من صعوبة الوصول إلى المواطنين في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين.
معركة الأرقام.. كيف يُقنع المواطن بأن الغد سيكون أفضل؟
ويذهب السخياني إلى مقارنة مباشرة بين الواقع الاقتصادي في صنعاء والمناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة. مشيرًا إلى أن سعر صرف الريال السعودي يصل وفق الأرقام التي أوردها إلى نحو 140 ريالًا في صنعاء مقابل نحو 410 ريالات في مناطق الشرعية. ومن وجهة نظره فإن هذه الفجوة تضع الحكومة أمام إشكالية سياسية واقتصادية كبيرة عند الحديث عن تحرير المحافظات الشمالية. فالمواطن الذي يحسب دخله وقدرته الشرائية وتكاليف الغذاء والدواء والإيجارات سينظر إلى هذه الأرقام قبل أن يستمع إلى الشعارات السياسية. ولهذا يتساءل السخياني عن الكيفية التي يمكن بها إقناع المواطن بأن التحرير سيحسن حياته بينما يرى أن قيمة العملة في المناطق الخاضعة للحكومة تعاني تراجعًا كبيرًا. وهي مقارنة يطرحها السخياني باعتبارها مؤشرًا على ضرورة إصلاح الوضع الاقتصادي في مناطق الحكومة قبل تقديمها كنموذج بديل.
ولا تتوقف المسألة عند سعر الصرف وحده. فالأزمة في المحافظات المحررة تشمل وفق الانتقادات المتداولة ملفات متعددة تبدأ بالكهرباء والمياه ولا تنتهي عند المرتبات والأسعار وفرص العمل ومستوى الخدمات العامة. وهذه الملفات تمس حياة المواطن بصورة يومية ومباشرة. ولذلك فإن أي خطاب عن استعادة الدولة سيظل في حاجة إلى إجابات عملية عن شكل الحياة التي ستقدمها هذه الدولة للمواطن بعد التحرير. فالناس لا تريد فقط تغيير السلطة التي تحكمها. بل تريد ضمانات بأن التغيير سيقود إلى تحسن في معيشتها واستعادة مؤسسات الدولة وانتظام المرتبات وتوفير الخدمات وحماية الحقوق. وكلما طال أمد الأزمات في المناطق المحررة ازدادت صعوبة تقديم هذه المناطق باعتبارها النموذج الذي ينبغي أن تتطلع إليه بقية المحافظات اليمنية.
وأكد السخياني أن استمرار الوضع الراهن مع تدهور العملة وانهيار الخدمات وتفاقم معاناة المواطنين لن يقود في رأيه إلى تحرير صنعاء. بل قد يزيد الفجوة بين المواطن والشرعية ويجعل الحديث عن التحرير أكثر صعوبة. وشدد على أن تحرير صنعاء لا يبدأ من الجبهات العسكرية فقط. بل يبدأ كذلك من بناء مؤسسات فاعلة وتقديم نموذج أفضل في المحافظات المحررة يجعل المواطن في الشمال يرى في استعادة الدولة خلاصًا من معاناته وليس انتقالًا بها إلى وضع أكثر صعوبة. وهذه الرؤية تعيد تعريف مفهوم المعركة من كونها مواجهة عسكرية محضة إلى منافسة على النموذج السياسي والاقتصادي والخدمي. فالدولة التي تريد استعادة مناطقها تحتاج إلى أن تثبت للمواطن أولًا أنها قادرة على إدارة المناطق الموجودة تحت سلطتها وأن تقدم فيها ما يجعل الانضمام إلى مشروعها خيارًا مقنعًا.
رسالة من سياسيين إلى مجلس القيادة الرئاسي: ماذا قدمتم في المحافظات المحررة؟
وفي ضوء هذه المعطيات يوجه سياسيون ومراقبون مجموعة من الأسئلة إلى مجلس القيادة الرئاسي والحكومة. ماذا قدمتم للمواطن في المحافظات المحررة حتى يصبح هذا المواطن نفسه شاهدًا على نجاح مشروع الدولة..؟ وما الإنجازات التي يمكن أن ينظر إليها المواطن في صنعاء وعمران وذمار وإب وصعدة وغيرها ويقول إنه يريد أن يعيش التجربة ذاتها..؟ هل وفرتم كهرباء مستقرة في المدن الواقعة تحت إدارتكم..؟ وهل ضمنتم وصول المياه والخدمات الأساسية إلى المواطنين..؟ وهل نجحتم في تثبيت العملة والحد من تآكل القدرة الشرائية للناس..؟ وهل أصبحت المرتبات تُصرف بانتظام بما يحفظ كرامة الموظف والجندي والمعلم والطبيب..؟ وهل وجد المواطن مؤسسات دولة قادرة على حل مشكلاته وحماية حقوقه..؟ هذه ليست أسئلة ترف سياسي. بل أسئلة تمس جوهر المشروع الذي يقال إنه يستهدف استعادة صنعاء وإنهاء سلطة الحوثيين وإعادة مؤسسات الدولة إلى جميع المحافظات.
ويمتد السؤال إلى أوضاع الجنود والموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخول المحدودة. هل حصل الجندي الذي يقف في الجبهة أو النقطة الأمنية على راتبه بصورة منتظمة.. ؟ وهل استطاع الموظف المدني أن يوفر احتياجات أسرته الأساسية من راتبه.. ؟ وهل وجد المتقاعد ما يحفظ له حياة كريمة بعد سنوات من الخدمة.. ؟ وهل أصبحت المستشفيات والمدارس والمؤسسات العامة أكثر قدرة على أداء واجباتها..؟ وهل شعر المواطن بأن موارد المحافظات تُترجم إلى خدمات يراها في منزله وشارعه ومدرسته ومستشفاه..؟ وهل تحولت سنوات وجود الحكومة ومجلس القيادة في المناطق المحررة إلى مؤسسات أكثر قوة وإدارة أكثر كفاءة..؟ وإذا لم تتحقق هذه الأساسيات حتى الآن فكيف يمكن مطالبة المواطن الواقع تحت سيطرة الحوثيين بأن يغامر بموقفه وحياته من أجل نموذج لم تتضح له بعد ملامح نجاحه..؟ وكيف يمكن أن تكون الدعوة إلى التحرير مقنعة إذا لم تسبقها إجابة واضحة عن سؤال اليوم التالي للتحرير..؟
والرسالة التي يوجهها سياسيون إلى مجلس القيادة الرئاسي يمكن اختصارها في سؤال واحد كبير: أي يمن تريدون من المواطنين أن يقاتلوا من أجله..؟ هل هو يمن الكهرباء والمياه والراتب المستقر والعملة المتماسكة والقانون والمؤسسات..؟ أم يمن تتكرر فيه الأزمات وتتراجع فيه الخدمات ويظل المواطن يبحث عن راتبه واحتياجات أسرته الأساسية..؟ إن استعادة صنعاء لا تحتاج إلى السلاح والجبهات وحدها. بل تحتاج إلى نموذج دولة يستطيع اليمني في الشمال أن ينظر إليه ويقول إن مستقبله سيكون أفضل إذا عادت مؤسسات الدولة. ولذلك فإن أكبر رسالة يمكن أن يوجهها مجلس القيادة إلى سكان المحافظات الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ليست بيانًا سياسيًا ولا خطابًا إعلاميًا. بل مدينة فيها كهرباء ومياه. وموظف يستلم راتبه. وجندي يحصل على حقوقه. وعملة تحافظ على قيمتها. ومؤسسات تحترم المواطن. فعندما تصبح المحافظات المحررة نموذجًا للحياة التي ينشدها اليمنيون ستصبح الدعوة إلى تحرير بقية المحافظات أكثر قوة وإقناعًا من أي شعار.