سؤال بريء للسلطة والنخب السياسية.. د. هاني القاسمي: هل نحن مع اليمن حقًا أم مع مصالحنا..؟ والإجابة تغيّر مصير الوطن
قال الكاتب السياسي د. هاني بن محمد القاسمي إن سؤالًا قد يبدو في صياغته الأولى بسيطًا وأشبه باستفهام عابر وهو: "هل نحن مع الوطن أم ضده؟" لكنه في السياق اليمني الراهن يحمل في طياته أكثر مما تحتمل العبارة. فهو ليس سؤالًا عن الانتماء بل عن الجوهر وليس عن المشاعر بل عن الأفعال وليس عن الخطابات بل عن الممارسات التي تعيد تعريف علاقتنا بهذا الكيان المسمى "وطن".
وأوضح القاسمي أنه لا يقصد بالوطن حكومة عابرة ولا حزبًا متنفذًا ولا جماعة متحالفة ولا مشروعًا سياسيًا آنيًا. فالوطن أوسع من هذا كله. إنه الفضاء الذي تتشكل فيه الهوية والأرض التي ترتوي منها الذاكرة والإطار الذي تنتظم فيه الحقوق والواجبات.
وأضاف الكاتب السياسي أن الدولة بمفهومها القانوني الحديث ليست ملكًا لمن يتقلد السلطة في لحظة ما بل هي كيان عام قائم على أسس ثابتة تصان فيه الحقوق وتحترم فيه المؤسسات وتدار فيه الموارد بشفافية وفق القانون وتمارس فيه السلطة بوصفها مسؤولية لا غنيمة وتكليفًا لا تشريفًا.
وأشار د. هاني القاسمي إلى أن أزمة اليمن ليست مجرد أزمة سياسية عابرة بل هي أزمة وجودية في مفهوم الدولة نفسها. فبعد سنوات الصراع ها هي المؤسسات تتهاوى والاقتصاد يتقلص إلى أقل من نصف حجمه السابق وها هو النفوذ يتفتت خارج الأطر الرسمية والمجتمع يئن تحت وطأة إرهاق متراكم.
ولفت القاسمي إلى أن الأرقام لا تكذب إذ إن أكثر من 22 مليون يمني سيحتاجون إلى مساعدة إنسانية خلال عام 2026 وفق تقديرات الأمم المتحدة. وهذا يعني أن أكثر من ثلثي الشعب يعيشون على حافة الهاوية بينما تتنازع القوى السياسية ما تبقى من مقومات الدولة.
وتساءل الكاتب السياسي: متى كان الحديث عن توحيد الإيرادات وضبط الموارد العامة رفاهية سياسية؟ ومتى كان تعزيز استقلال المؤسسات المالية وتحسين الخدمات ترفًا فكريًا؟
وأكد القاسمي أن هذه الملفات في حقيقتها ليست اقتصادية فحسب بل هي دستورية وقانونية بامتياز لأنها تجيب عن أسئلة كبرى: لمن تعود الموارد العامة؟ ومن يملك القرار في إنفاقها؟ ومن يتحمل مسؤولية حمايتها من العبث والهدر..؟
وقال د. هاني بن محمد القاسمي: "الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ترسم ملامح الدولة لا مجرد الشعارات".
وأضاف الكاتب السياسي أن الخطأ الأكبر هو أن نحصر الأزمة في النخب السياسية وحدها فالمجتمع أيضًا أمام مسؤوليته التاريخية في هذه المرحلة. وتساءل: كيف نطالب بدولة القانون ثم نبحث عن استثناء يمرر مخالفة لقريب أو صاحب نفوذ؟ وكيف نصرخ بمكافحة الفساد ثم نغض الطرف حين يأتي الفساد مغلفًا بمنفعة شخصية؟ وكيف نريد مؤسسات قوية ونحن نبرر الفوضى حين تخدم مصالحنا..؟
وأكد القاسمي أن الوطن لا يبنى بالخطابات بل بثقافة وطنية جامعة تعي أن المصلحة العامة ليست مجرد شعار بل هي الأساس الذي تقوم عليه حياة الناس جميعًا.
وأشار الكاتب السياسي إلى أن من المآسي العميقة التي لحقت بالمجتمع اليمني أن السياسة تحولت من وسيلة لإدارة الاختلاف إلى أداة لتوسيع الشرخ. فأصبح البعض يقيس وطنيته بقدر قربه من طرف ضد طرف وأصبح الموقف من السلطة هو الفيصل في الانتماء.
وشدد د. هاني القاسمي على ضرورة الوقوف بحزم أمام هذا المفهوم مؤكدًا أنه ليس كل من عارض السلطة ضد الوطن وليس كل من أيدها مع الوطن.
وأوضح القاسمي أن المعيار الحقيقي ليس في الهتاف بل في الممارسة متسائلًا: هل يخدم الموقف الدولة أم يهدمها؟ هل يحمي القانون أم يستبدله بالأهواء؟ هل يعزز المؤسسات أم يكرس تعدد مراكز القوى خارجها؟ هل يصون المال العام أم يبرر العبث به؟ هل يمهد للسلام أم يرسخ الانقسام كأسلوب حياة؟
وأكد الكاتب السياسي أن اليمن لا تحتاج اليوم إلى مزيد من التخندق ولا إلى خطابات تستنزف المتبقي من طاقتها. وما تحتاجه هو إعادة تعريف جريئة للأولويات تبدأ باستعادة هيبة الدولة لا بوصفها سلطة قمعية بل كضامن للحقوق وإعادة الاعتبار للمؤسسات وجعلها هي المرجع لا الأشخاص وجعل القانون فوق الجميع بلا استثناءات وتحويل الوظيفة العامة إلى تكليف ومسؤولية لا إلى مصدر نفوذ أو مكاسب وجعل الموارد العامة حقًا للشعب لا مجالًا للمساومات السياسية.
وقال القاسمي: "مهما بلغ التعب والإحباط من المواطن اليمني يظل هو شريكًا أساسيًا في أي مشروع نهضوي".
وأضاف د. هاني بن محمد القاسمي أن المجتمع الذي يرفض الفساد ويحترم النظام ويحافظ على الممتلكات العامة ويرفض خطاب الكراهية ويدافع عن حق الآخر في الاختلاف هو مجتمع يضع حجر الأساس لدولة حقيقية قابلة للحياة. وفي المقابل على النخب السياسية أن تستوعب حقيقة لا مفر منها وهي أن الناس لم يعودوا يحتملون أن تتحول خلافاتهم إلى جوع يملأ بيوتهم وانقطاع للتيار الكهربائي عن أطفالهم وانهيار لعملتهم بين أيديهم.
وأشار الكاتب السياسي إلى أن الجوع لا يعرف انتماء سياسيًا والخدمات المتوقفة لا تفرق بين مؤيد ومعارض وسعر الصرف لا يسأل المواطن عن موقفه قبل أن يضرب قدرته على الصمود.
وتطرق القاسمي إلى دور الإعلام في هذه المعادلة مؤكدًا أن له حضورًا لا يمكن تغافله فهو ليس ناقلًا محايدًا للأحداث بل هو صانع للوعي أو هادم له حسب الرسالة التي يحملها.
وأوضح د. هاني القاسمي أنه حين يتحول الإعلام إلى منصة لتأجيج الخصومة وتكريس الانقسام وتقديم المبررات لكل طرف على حساب الحقيقة فإنه يكون قد تخلى عن دوره الوطني وصار جزءًا من المرض لا من الدواء.
وأضاف الكاتب السياسي أنه في المقابل حين ينهض الإعلام بدوره التنويري فيكشف الفساد دون محاباة ويرصد الانتهاكات دون تخويف ويعلي صوت المواطن العادي فوق أصوات النخب المتنازعة فإنه يتحول إلى رافعة حقيقية للدولة والمجتمع معًا.
وأكد القاسمي أن الإعلام اليمني اليوم بحاجة إلى مراجعة أخلاقية قبل أن يكون بحاجة إلى تمويل أو تقنية لأنه حين يغيب الصدق يصبح كل ما يبثه مجرد ضجيج يزيد الأزمة عمقًا.
وقال د. هاني بن محمد القاسمي إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نضعه أمامنا كل يوم هو: مع ماذا نحن؟ فإن كنا مع الدولة فنحن مع القانون. وإن كنا مع القانون فنحن مع المؤسسات. وإن كنا مع المؤسسات فنحن مع المساءلة والشفافية. وإن كنا مع الوطن حقًا فعلينا أن نقبل بأنه أكبر من الأشخاص وأبقى من الحكومات وأسمى من الأحزاب وأعظم من كل الحسابات الضيقة.
وتابع الكاتب السياسي: "سؤال بريء إذن لكن إجابته تحتاج إلى شجاعة نادرة: هل نحن مع الوطن حقًا أم أننا نريد وطنًا على مقاس مصالحنا ومواقفنا..؟".
وأكد القاسمي أن الوطن لا يطلب من أبنائه أن يتفقوا في كل شيء لكنه يطلب منهم ألا يجعلوا اختلافهم ذريعة لهدم ما تبقى منه.
واختتم د. هاني بن محمد القاسمي بالتأكيد على أنه في اللحظة التي يصبح فيها الوطن هو الثابت والسياسة متغيرًا والمصلحة العامة هي المعيار والقانون هو المرجع عندها فقط يمكن لليمن أن تبدأ رحلة التعافي الحقيقي. لا لأن الخلافات ستختفي بل لأن الخلاف سيعود إلى مكانه الطبيعي داخل الدولة لا فوقها.