أخبار وتقارير

حاشد: كنت أنتظر مساءلة العليمي وسحب الثقة منه فإذا بالنواب يتسابقون للحصول على توقيعاته وتوجيهاته


       

كشف عضو مجلس النواب أحمد سيف حاشد تفاصيل وصفها بالصادمة من كواليس حضور نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية حينها رشاد العليمي إلى قاعة مجلس النواب برفقة رئيس جهاز الأمن السياسي غالب القمش. موضحاً أنهما دخلا من البوابة الرئيسية مزهوين وبخطوات واثقة وابتسامات مطمئنة وكأنهما يدخلان إلى حفل تكريم وليس إلى استجواب أو مساءلة. وقال إن صدمته الأولى كانت حين رأى نواباً يحيطون بهما وكأنهم طوق حماية وسرب يتبعهما في موكب أقرب إلى زفاف منه إلى استجواب أو مساءلة.

 

وقال حاشد إن ذلك المشهد دفعه إلى التساؤل مع نفسه عما إذا كان مستجد قد حدث أو أن هناك سيناريو متفقاً عليه أو "أمراً دبر بليل". مشيراً إلى أنه توجس وارتاب وبدا له الأمر على غير ما كان عليه وكأن العليمي والقمش تلقيا تطمينات مسبقة.

 

وأضاف عضو مجلس النواب أنه حاول مغالبة شكوكه وتطمين نفسه بأنه لا يوجد أساس كاف لما يتوهمه وأن المجاملة أمر معتاد بل لعلها من ضرورة اللياقة بعد حضور كاد يكون مستحيلاً. لافتاً إلى أنه حاول إقناع نفسه بأن ما حدث لن يمس ما هم بصدده وأن الأمور لن تذهب إلا إلى وجهتها الصحيحة.

 

وتابع حاشد أنه حاول أن يحسن الظن في مواجهة مخاوفه وتوجساته التي جاشت داخله شكاً وريبة. مؤكداً أن الوقت لم يطل حتى فاجأته صدمة ثانية كشفت له واقع الحال وأثبتت صحة توجسه.

 

وأوضح البرلماني أحمد سيف حاشد أنه رأى زحاماً أكبر حول الوزير بعد أن جلس في مكانه حيث كان عدد غير قليل من النواب يتكومون عليه. واصفاً الموقف بأنه أثار استغرابه واستغرقه بالذهول بل استفزه ولم يقدر عليه صبراً.

 

وأردف حاشد أن أحد النواب كان يحمل بيده ورقة طلب تجنيد وآخر يحمل طلب نقل جنود وثالثاً يريد تفريغ عدد من الجنود معه فيما كان آخر يتابع نقل مدير وآخر يحمل ملفاً وآخر يحمل معاملة. مؤكداً أن الطلبات كانت كثيرة وأن التفاصيل أكثر منها.

 

وقال عضو مجلس النواب إنه شعر في تلك اللحظة بحزن واختناق وخسران وقد تجسد أمامه القول "مصائب قوم عند قوم فوائد". مضيفاً أن مصيبته بين قومه كانت أشد وأوجع.

 

وأشار حاشد إلى أنه أيقن حينها أن ريبته كانت في محلها وأن الخذلان قادم وأن سوء الظن من حسن الفطن. وقال إن الجبل الذي راهن عليه لن يتمخض غير فأر بعد صراخ وولولة وإن الأسد كان مجرد أسد على مفرشة.

 

وأكد البرلماني أحمد سيف حاشد أن الصدمة الأشد ألماً بالنسبة إليه كانت حين رأى الوزير منهمكاً في التأشير على الطلبات بسرعة لافتة حتى تحول مقعده وكأنه مكتب خدمات عامة وليس قاعة برلمان.

 

وأضاف حاشد أن نواباً كانوا يذهبون ويأتي آخرون فيما كان الزحام يتسع. مشيراً إلى أن رئاسة المجلس بدت متواطئة مع المشهد ومستمرئة له رغم أن تلك الطلبات والمعاملات وعلى فرض مشروعيتها فإن مكانها مكتب الوزير ووزارته وليس قاعة البرلمان المطلوب الحضور إليها للمساءلة.

 

وتابع عضو مجلس النواب أن العليمي كان يوزع ما وصفها بـ"بركاته" على النواب كمن يوزع الفاكهة ويبتسم لمن حوله برضى وسرور وكأنه في جولة انتخابية. مضيفاً أن جلهم كانوا يتقربون إليه ويتبركون به ويستجدون عطفه وكرمه فيما كان يوزع تأشيراته وتوقيعاته بسخاء دون تردد أو سؤال.

 

وقال حاشد إن همة الوزير كانت نشطة ولا تخلو من فرحة يداريها وزهو ينبض به محياه. مشيراً إلى أنه كان يلبي ويستجيب لما يطلب منه دون اعتراض أو تحفظ وكانت الأوراق تمرق بين يديه وهو يؤشر ويوقع حتى بدا قلمه وكأنه آلة خياطة.

 

وأضاف البرلماني أحمد سيف حاشد متسائلاً بذهول "يا إلهي.. ما هذا الذي يحدث؟! يوم الله تعرف من صبحه". موضحاً أنه كان ينتظر من النواب أن يسائلوا العليمي والقمش ويستجوبوهما ويسحبوا الثقة منهما فيما كان ما يشاهده هو تسولهم لأوامر وتوجيهات وتسهيلات صغيرة وشخصية. وقال "كل يضع نفسه حيث يشاء" فيما كان يعيش غصته في وضع لا يحسد عليه بعدما رفع سقف توقعاته فكان الارتطام أشد.

 

وأوضح حاشد أن المشهد أثار لديه العديد من الأسئلة حول ما حدث بين يوم وليلة وكيف بدا كل شيء وكأنه انقلب وتبدل. مشيراً إلى أن حماس الأمس الذي كان بادياً للعيان ومتأججاً على نحو كاد يقلب الطاولة بات هامداً دون حراك وكميت في برادته بل بارداً كجبل من جليد.

 

وتابع عضو مجلس النواب أن من كان في الأمس محلاً للمحاسبة صار في اليوم التالي محلاً للاستلطاف العذب. مضيفاً أن كثيراً من النواب الأشاوس الذين كان جلهم يهيج ويموج باتوا يتوسلون ويتسولون استعطافاً لا يليق حتى صار بينهم كمن يشاهد سفينة تغرق وركابها يتبادلون بطاقات الدعوة لحفل عشاء.

 

وقال حاشد إنه خرج من طوره محتجاً على ما يحدث باعتباره أمراً غير معقول. متسائلاً بغصة ومرارة عن كيفية تمكن هؤلاء النواب من سؤال مسؤول أو استجوابه ومحاسبته فيما هم يتهافتون عليه على نحو أشعره بأن خيبته أكبر من برلمان.

 

وكشف البرلماني أحمد سيف حاشد أن الضغط الذي سببه له المشهد المستفز دفعه إلى محاولة إثبات ما يحدث بصورة فوتوغرافية لما اعتبره رشوة تحدث جهاراً نهاراً تحت قبة البرلمان قبل نصف ساعة فقط من جلسة المساءلة المفترضة.

 

وأضاف حاشد أنه نهض من مقعده وأخرج الكاميرا من "الجاكت" الذي كان يرتديه لتوثيق ما يحدث. موضحاً أنه وقبل أن يلتقط الصورة ببرهة صرخ بعض النواب هلعين مما كان على وشك فعله. وقال إن الكاميرا كانت خصمهم اللدود فقط لأنها لا تجامل ولأنه أراد بها إثبات جزئية مؤلمة من واقع الحال.

 

وتابع عضو مجلس النواب أن رئيس الجلسة الشيخ يحيى الراعي بدا مصعوقاً وهو يأمر "المروني" في سكرتارية المجلس بصرامة وحزم بأن ينتزع الكاميرا من يده وألا يفرج عنها إلا بأمر منه.

 

واختتم حاشد هذه الحلقة من مذكراته بالإشارة إلى ما وصفه بالمفارقة المريرة المتمثلة في أن الكاميرا التي أفلتت من قبضة ضباط مخابرات الأمن السياسي وقعت في قبضة البرلمان الذي يفتتح جلساته كل يوم باسم الله وباسم الشعب. مؤكداً أنه لم يستطع استعادتها إلا بعد جهد جهيد ووساطة ورجاءات استمرت قرابة ثلاثة أشهر حتى كاد يوقن أنها لن تعاد إليه إلى الأبد.

 

وأشار عضو مجلس النواب أحمد سيف حاشد إلى أن هذه التفاصيل وردت في الحلقة الثالثة عشرة من كتابه الجديد قيد الإعداد والمراجعة الذي يحمل عنوان "من مذكراتي". موضحاً أن سرد تفاصيل الواقعة سيتواصل في الحلقة الرابعة عشرة.