استكشاف الأهرامات بالديناميت
زاهي حواس
شتان ما بين علم الآثار في يومنا هذا وبين بداياته في أوائل القرن التاسع عشر. إنها قصة واحد من الذين كانت لهم بصمات حقيقية في نشأة علم المصريات. المهندس المدني الإنجليزي جون بيرينغ الذي عمل في مصر مهندساً ومسَّاحاً تحت قيادة الكولونيل المتهور ريتشارد فيز، وذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر وتحديداً خلال ثلاثينات ذلك القرن، وكان بيرينغ وقتها مهندساً شاباً أذهلته عمارة الأهرامات.
كان الغرض الرئيسي من البعثة الاستكشافية هو الكشف عن كنوز الفراعنة المخبئة أسفل الأهرامات. وقد تمكن بيرينغ بالفعل من تقديم خرائط مساحية ورسومات خطية للأهرامات المصرية من أبو رواش شمالاً وحتى سقارة جنوباً. كان بيرينغ شاباً صغيراً وطموحاً عندما قُبل في بعثة فيز والذي كان له أسلوبه الخاص في استكشاف الأهرامات! حيث كان يقتحم ورجاله في ذلك الوقت الأهرامات محاولين الوصول إلى الحجرات الداخلية إما عن طريق المداخل الأصلية للأهرامات في حال إذا كانت مكشوفة ويسهل تحديدها والوصول من خلالها وإلا كان حفر الأنفاق أسفل الأهرامات هو الحل للوصول إلى حجرات الدفن والمخازن الخاصة بالهرم. وكان من الحلول العملية لدى فيز والتي أجبر رجاله ومنهم المهندس بيرينغ على استخدامها هي المتفجرات وأشهرها الديناميت! نعم لقد تم استخدام الديناميت لفتح الممرات المغلقة بالمتاريس الحجرية.
ونتيجة لذلك تفرد بيرينغ بين زملائه ممن قاموا بدراسة الأهرامات من بعده بأنه المهندس الوحيد الذي كانت أدواته عبارة عن شريط قياس وكراسٍ وأقلام وأصابع ديناميت! وعلى الرغم من حجم الفظائع والتي تصل، بحسب مفهومنا اليوم وقوانيننا إلى كونها جرائم علمية لا تزال المعلومات التي قدمها بيرينغ عن البنية السفلية لبعض الأهرامات المصرية هي الوحيدة المتاحة لدى الباحثين والسبب هو أن تلك الحجرات لا يمكن الوصول إليها اليوم بعد أن تضررت الممرات والمداخل المؤدية إليها بشدة وأصبحت مجرد الفكرة للهبوط إليها ضرباً من الجنون، والمخاطرة غير المحسوبة.
ومن أشهر الحوادث التي عاشها بيرينغ، يوم كان هو وعماله يعملون على فتح الممر المؤدي إلى حجرة الدفن الخاصة بهرم الملك نفر إير كا رع في أبو صير – بين أهرامات الجيزة وسقارة. في ذلك اليوم أمر بيرينغ رجاله بحفر خندق مائل أسفل الهرم لكي يصل بهم إلى نقطة المنتصف أسفل الهرم تماماً لسابق علمه بأنها الموقع الذي توجد به حجرة الدفن والتي يمكن الوصول إليها وتفادي المتاريس الضخمة المصنوعة من الغرانيت الوردي الصلد الذي لا تنفع معه حتى المتفجرات.
وبالفعل كان العمال يعملون بكل جهد، وكان النهار قد أوشك على الانتصاف، وشعر بيرينغ بالإرهاق وأن العمال يحتاجون إلى ساعة من الراحة قبل مواصلة العمل فأمرهم بالخروج من الهرم وأخذ ساعة من الراحة. في تلك الأثناء شعر بيرينغ بأن هناك شيئاً غريباً يحدث وبدأت أصوات غريبة تصدر من الهرم، وبالفعل أخذ العمال والمهندس الشاب يخرجون مسرعين من أسفل الهرم وبمجرد خروجهم من الفتحة الضيقة انهار جانب الهرم على الخندق الذي كان بيرينغ وعماله يحفرونه. كانت مجرد ثوانٍ حاسمة هي الفرق بين الحياة والموت.
وقد ذكر بيرينغ أنه لو كان قد دفن مع العمال أسفل الهرم كانت رفاته ستظل إلى الأبد مدفونة أسفل أحد أهرامات الفراعنة، إذ يستحيل الوصول إليها إلا إذا قمنا بإزالة الهرم كله وهو أمر مستحيل. لم تكن هذه هي الحادثة الوحيدة التي تعرض لها بيرينغ وإن كانت أخطرها، ومع ذلك ظلت الأهرامات تجذبه إليها بشدة ولم يستطع أن يقاوم فقام باستكشاف كل أهرامات الجيزة وأبو صير وسقارة وهرم أبو رواش كذلك، وفي نهاية المطاف نشرت أعماله كلها في كتاب ليس من تأليفه أو باسمه، وإنما تحمل اسم ذلك الضابط المتهور ريتشارد فيز الذي حاول في يوم من الأيام تفجير تمثال أبو الهول بالديناميت.