انكسار النصل على نطع الغدر .. "بحور المآسي"(30)
حسين السليماني الحنشي
في تلك الساعات المثقلة بالترقب، كانت "ريشة" – زوجة ثابت – تسبح في أخيلة النصر الموهوم، وقد ظنت أنها أحكمت رتق الثقوب في ثوب مكيدتها. كانت تمنّي نفسها بأن هذا النهار هو "يوم الخلاص"؛ اليوم الذي سيُطوى فيه ذكر "معين" إلى الأبد، ويُقذف فيه بـ "عوض" –ابن زوجها– إلى أتون هلاك لا رجعة منه.
كانت تحسب أن القدر قد طوع كفّه لها، فأنحت أبناءها عن مرامي الخطر، ووزعتهم في مناكب الأرض؛ فمنهم من غاب مع أبيه، ومنهم من مضى إلى "حرث الأرض" البعيدة، ليعودوا في المساء وقد صفت لها الأجواء، فلا يلحق بساحتهم عار، ولا يمسّ أجسادهم سوء.
بينما كان "عوض" قد غاب وراء الأفق بساعة، يحمل موته فوق كتفه، حدث ما لم يكن في حُسبان تلك النفس التي شربت من كؤوس الشر حتى ثملت. لقد طُرق الباب طرقة هزت أركان طمأنينتها الكاذبة؛ فإذا بزوجها "ثابت" قد عاد من رحلة علاجه، يرافقه ابنها الأكبر.
استقبلته بابتسامة باهتة تُواري خلفها رعب الانكشاف، وتصنعت حفاوة الزوجة الوفية، فبسطت له فرش الترحاب وقدمت له القهوة المرة كمرارة سرّها. وحين سألها الزوج، وعيناه تبحثان عن السكينة بعد طول عناء: ما خبر البلاد والعباد؟، نفثت سمّها في جُملة صيغت بمكر واحتراف، وقالت: ومن غيره 'معين'؟ لقد تمادى في طغيانه، فساق إبلنا إلى فلوات الضياع، حيث تسرح الوحوش الكاسرة، لتضل الإبل طريق العودة وتغيب عنا للأبد. ومنذ رحيلك ونحن نقتفي أثر السراب، غير أن 'عوض' الشهم لم يرضَ الهوان، فقد خرج الآن شاهراً عزمه، ولن يعود إلا والإبل أمامه، و'معين' يسوقه صاغراً بين يديه.
لم تكد تُنهي حديثها حتى استحال وجه زوجها كسفاً من نار، وانتفض جسده كطائر ذبيح. لم يكن وقع الخبر عليه بلسماً، بل كان صاعقة أحرقت ما بقي من آماله في ولده. احمرت وجنتاه بغضب ممزوج بمرارة العجز، وخرج صوته متهدجاً، فيه من العتب ما يفتت الصخر، ومن الفجيعة ما يشق الصدور.
صاح والدموع تحفر في تجاعيد وجهه أخاديد الأسى: ويحكِ يا امرأة! الله يقتلكِ كما قتلتِ ابني!
كان يصرخ بها وهو يهرع نحو الباب، يتردد صدى كلماته في أرجاء الدار كجرس جنائزي، وخلفه انطلق بقية أبنائه كسهام أُطلقت في عتمة الليل، يطاردون شبح فاجعة نسجتها "ريشة" بخيوط الغل، ولم تكن تدري أن نصل الغدر الذي شحذته، قد ارتدّ ليقطع نياط قلب الدار بأكملها.
.................•.....................
وللقصة بقية.