غسق الروح وانطفاء السراج "بحور المآسي "(33 )
حسين السليماني الحنشي
لم تكن تلك الليلة كغيرها من الليالي، بل كانت وعاء صُبّت فيه مآسي الدهر، أولها وآخرها. ليلة توحدت فيها المشاعر تحت راية الحزن، فلا جبار يضحك ولا شامت يلهو، بل ضجّت القرية ببكاءٍ جماعيّ نشجت له القلوب قبل العيون، وكأن أرواحهم تعارفت على شقاء مقيم.
أشرقت شمس الصباح على وجوه شحب لونُها من السهر والأسى، واحتشدت الوفود من القرى المجاورة، رجالاً ونساء، يجرون خلفهم أذيال التضامن والمواساة. وفي تلك الزحمة الخانقة، وقف الأطباء الشعبيون يبذلون ما في جعبتهم من حكمة موروثة، بيد أن النزيف كان أقوى من حيلهم، وأشدّ من عزائمهم.
بدأ صوت "عوض" يتلاشى شيئاً فشيئاً، يذوب في فضاء الغرفة كدخان يتبدد، ونوباته المتلاحقة تنذر بالرحيل المرّ. وحين خفتت أنفاسه، أدرك الحكماء أن الروح قد أزفت رحيلاً، فأنبأوا كبار القوم أن الشاب يخطو الآن خطوته الأخيرة في دهليز الاحتضار.
وفي لحظة سكن فيها كل شيء إلا دقات القلوب الواجفة، أسلم "عوض" الروح إلى بارئها. أعلن القوم الوفاة، فانفجر "أبو عوض" بصيحة صدعت جدران الصمت، وفطرت نياط القلوب المتعبة. صرخ بنحيب يذيب الصخر، وهو يعدد مناقب ولده وفجيعته فيه: يا عوض.. يا ركن داري الذي تهاوى، ويا عصاي التي كنت أتوكأ عليها في نائبات الزمان، ويا جنبيتي التي كانت عزي وزينتي، وبندقي الذي كان يزهو به كتفي.. كيف يرحل السند ويبقى الظهر عارياً للريح..؟
بكى الناس لبكائه، واهتزت المشاعر لجرحه، فموت "عوض" لم يكن موتاً لشاب فحسب، بل كان انتحاراً للأمل في دارٕ عرفت بالشقاء.
ومع اصفرار الشمس إيذاناً بالعصر، انطلق الشباب يحفرون في جوف الأرض مستقراً، بينما عكف الكبار على تجهيز الجثمان الطاهر. خَرَج "عوض" من منزله محمولاً على الأكتاف، في مشهد مهيب يلفّه ليل أسود دامس، كأنه قُدّ من سواد قلب "ريشة"؛ تلك التي نسجت بآثامها خيوط هذه المأساة بامتياز شيطاني.
عاد المشيعون وثيابهم مغلّفة بالتراب، لكن صدورهم كانت أضيق من لَحْد "عوض". باتت القرية تلك الليلة خاوية إلا من الأنين؛ فلا مائدة وُضعت لعشاء، ولا جفن ذاق طعم النوم، بل ظل الجميع في ترقب مرّ حتى خيوط الفجر الأولى.
وعندما نادى المنادي لصلاة الفجر، قام القوم كالأشباح، يجرون أجساداً أهلكها الكرب. وبينما هم في محراب خشوعهم، سمعوا دويّ سقوط جسد ثقيل على الأرض. هرعوا نحو مصدر الصوت، والقلوب تكاد تقفز من الحناجر، فإذا به "أبو عوض"؛ الجبل الذي ظنوه لا يميل، قد خرّ صريعاً تحت وطأة الذنب وفجيعة الفقد.
...............•..............
وللقصة بقية.