الطريق الى النصر (2)



لا جدال بان شرعية الدولة تمتلك مفاتيح النصر في خاتمة المطاف، بعد نجاح فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، بدعم سعودي ودولي واضح، من إعادة شيء من الاعتبار إلى الصف الجمهوري المقاتل، وإبراز حضوره كطرف تلتقي عنده إرادة الدولة ومشروعها الوطني.

على ما تقتضيه الضرورة من جهد لفهم مسار الحرب اليمنية أولًا، و معرفة القوى الصانعة لمعادلتها العسكرية، ومصادر القوة التي يستند إليها كل طرف، فإن الخطوة التالية تفرض علينا الاقتراب أكثر من هذه القوى، لا من حيث وجودها في الميدان فحسب، وإنما من حيث تماسكها، وخبرتها، وتعدد تشكيلاتها، وحدود قرارها، وقدرتها على توظيف نتائج القتال في اتجاه يخدم أهدافها.

فالميدان اليمني لم يكن يومًا ساحة تتحرك فيها قوة واحدة في مواجهة قوة واحدة، بل تشكلت فيه معادلة عسكرية معقدة، تتداخل فيها قوى متعددة، تختلف في بنيتها وخبرتها و ارتباطاتها وأهدافها.

ومن هنا يمكن النظر إلى الحرب اليمنية من خلال القوة العسكرية التي فرضت نفسها على مسرح المواجهة: الحوثية، والشرعية، وتشكيلاتها القتالية المتنوعة.

وتمثل القوة الحوثية طرفًا عسكريًا استطاع الاستيلاء على قوة عسكرية وجيش مدرب، ثم أعاد توظيف ما وقع تحت سيطرته ضمن منظومة قتالية راكمت خبرة طويلة في الحرب.

ولذلك فإن قراءة هذه القوة لا ينبغي أن تتوقف عند ما تملكه من سلاح، وإنما عند قدرتها على توظيف ما تملكه في معركة طويلة، وعلى الجمع بين القوة البشرية والخبرة والتجربة والقدرة على إدارة المواجهة.


وهنا تكمن إحدى خصائصها الأساسية: تماسك القوة داخل إطار قتالي واحد، وهو عنصر بالغ الأهمية في الحروب الطويلة.

وفي الجهة المقابلة يقف الصف الجمهوري، بما يمثله من امتداد للدولة والشرعية، وبما يضمه من تشكيلات عسكرية متعددة، معززة بقوى ذات تجارب قتالية مختلفة.

غير أن المعضلة لا تكمن دائمًا في غياب القوة، وإنما في تعدد مراكزها وتنوع تشكيلاتها.

فالقوة المتعددة يمكن أن تكون مصدر ثراء للميدان إذا اجتمعت تحت هدف واحد، لكنها قد تتحول إلى عامل إرباك إذا اختلفت حساباتها أو تباعدت رؤاها حول طبيعة المعركة ومآلاتها، داخل المعادلة العسكرية اليمنية.

فالحديث هنا لا يحتمل التشكيك في شجاعتها أو كفاءتها القتالية، وإنما عن قراءة طبيعة القوة كما هي، لأن القائد العسكري يبني تقديره على معرفة حقيقية مكونات القوة، ومصادر تأثيرها، وحدود حركتها، والغاية التي يمكن أن تتجه إليها نتائجها.

ومن هنا يصبح السؤال:

كيف تتفاعل القوة الجمهورية الأوسع مع بعضها؟

وهل يمكن أن تتحول نتائجها الميدانية إلى جزء من مشروع وطني جامع، أم تظل انتصاراتها مرتبطة بحدود مسرحها وحساباته؟

وعندما نضع قوى الحرب في ميزان واحد، نكون أمام قوى متشابهة، بل أمام تجارب عسكرية مختلفة:

الحوثية تمتلك تماسكًا عسكريًا وتراكمًا قتاليًا.


الشرعية تمتلك مظلة الدولة و مشروع الجمهوري، لكنها تواجه تحدي تعدد التشكيلات.

وهذه الفوارق هي التي تجعل الحرب اليمنية عصية على القراءة السطحية.

فليس كل تقدم عسكري نصرًا استراتيجيًا، وليس كل تراجع هزيمة نهائية، وليس كل قوة قادرة على تحويل شجاعتها في الميدان إلى قرار سياسي يغيّر مسار الحرب.

وهنا نصل إلى المسألة الأكثر حساسية.

فالقوى الجمهورية، بمختلف تشكيلاتها، قد تمتلك القدرة على القتال، لكنها لا تمتلك بالضرورة قرار الحرب والسلام في الميدان.

وهذا القرار، بحسابات تتجاوز الإرادة الوطنية المباشرة، يرتبط بالمواجهة الأوسع للأزمة والحرب في اليمن، وبالقوى والحسابات التي تمتلك الكلمة الفصل في تحديد سقف المواجهة ومسارها.

ومن هنا لا يكفي أن نسأل: من يملك القوة؟

بل يجب أن نسأل:

من يملك قرار استخدامها؟

ومن يحدد هدفها؟

ومن يستطيع تحويل نتائج المعركة إلى مكاسب سياسية؟