الطريق إلى النصر (1)
عمر الحار
لم تزل الطريق إلى النصر الوطني المنشود للجمهورية طويلا، لكنه ليس بعيدا ولا مستحيلا، مهما تعثرت الخطوات، شريطة أن يبقى الإيمان بالوطن مقرونًا بالعمل، وأن تظل البوصلة ثابتة على المسار الذي يقود إلى استعادة الدولة.
ومن هذه الخلفية الوطنية الصلبة، تأتي المواجهات الدائرة في مواقع متفرقة من محافظتي تعز والحديدة، لتطرح سؤالًا يتجاوز حدود الاشتباك نفسه:
هل نحن أمام متغير حقيقي في مسار المواجهة؟
تعز ليست مجرد جبهة عسكرية أخرى؛ فهي تمثل مفتاحًا مهمًا في الجغرافيا الوطنية للمواجهة. ولذلك فإن أي تحرك عسكري مؤثر فيها لا يمكن قراءته باعتباره حدثًا منفصلًا عن بقية المشهد، ولا يمكن قياسه بعدد المواقع التي تغيرت السيطرة عليها فقط.
الأهم من وقوع الانتصار هو وظيفته في الحرب.
هل نحن أمام انتصار تكتيكي يرتبط بموقع أو محور أو جولة قتال؟ أم أن ما تحقق يحمل قيمة استراتيجية قادرة على إعادة تشكيل مسرح العمليات وفتح الطريق أمام معارك أكبر؟
هنا تحديدًا يبدأ تفكير القائد الحقيقي.
فالقائد لا يسأل فقط: كم كسبنا من الأرض؟
بل يسأل أيضًا:
ماذا فتح لنا هذا الكسب؟
وماذا أغلق في وجه الخصم؟
وهل نستطيع تثبيته؟
وما الذي يمكن أن نبني عليه في المعركة التالية؟
ومن هذه الزاوية، لا يمكن فصل تعز عن الساحل الغربي؛ فالجغرافيا العسكرية لا تعترف بالحدود التي نضعها في عناوين الأخبار. وتأمين الشريط الساحلي، وتعزيز مواقع النفوذ في الساحل، والنظر إلى باب المندب ضمن الحسابات الاستراتيجية للمواجهة، كلها تجعل من نتائج التحركات العسكرية في هذه المنطقة مسألة تتجاوز حدود الموقع الذي دارت فيه المعركة.
لكن الخطر في قراءة الحاضر يكمن في استدعاء الماضي باعتباره نسخة جاهزة.
فليست كل معركة تشبه سابقتها، وليست كل نتيجة عسكرية تحمل الوظيفة ذاتها. قد يكون الانتصار في معركة ما هدفًا مرحليًا، وقد تتحول نتائجه لاحقًا إلى ورقة في حسابات أوسع، وقد تبدو بعض المواجهات في ظاهرها عسكرية خالصة، بينما تكون في حقيقتها جزءًا من ترتيبات سياسية وعسكرية وجغرافية أكثر اتساعًا.
ولهذا فإن الحكم على ما يجري اليوم يجب أن ينطلق من الميدان ذاته، لا من ذاكرة المعارك السابقة وحدها.
فمعركة الفصل لا تبدأ بالضرورة عندما تشتعل الجبهة، وإنما تبدأ عندما تتوافر الشروط التي تجعل نتائج الاشتباك قابلة للتحول إلى تغيير حقيقي في ميزان القوة.
وهنا تبرز قيمة ما يمكن تسميته «خماسية الحرب»؛ إذ تواجه الحوثيةَ قوى الجمهورية بما تمثله من مشروع الدولة، وتتعدد إلى جانبها القوى العسكرية ذات الخبرات والتكوينات المختلفة، من الحزب والسلف، إلى الحراس والعمالقة وغيرهم من القوى التي تشكل مكونات المشهد العسكري المناهض للانقلاب.
لكن السؤال الحاسم ليس: من الأكثر شجاعة؟
ولا: من يملك السلاح الأكثر؟
بل:
هل تستطيع هذه القوى، على اختلاف انتماءاتها وتكويناتها، أن تحول تعددها إلى قوة متكاملة، وانتصاراتها الميدانية إلى مسار وطني واحد؟
فهذه هي المعضلة الحقيقية.
الحرب لا تحسمها كثرة البنادق وحدها، ولا كثافة النيران، ولا اتساع الجبهات. إنما تحسمها القدرة على توحيد الهدف، وإحكام القيادة، وامتلاك القرار، وحسن اختيار اللحظة، وتحويل المكسب التكتيكي إلى تفوق استراتيجي.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين معركة تُخاض، ومعركة تُدار، ومعركة تصنع طريق النصر.
ولذلك فإن ما يجري في تعز والحديدة يستحق أن يُقرأ بعين القائد لا بعين المتفرج؛ بعين تبحث عما وراء الموقع، وعما وراء الجولة، وعما وراء الانتصار المعلن.
فربما تكون المسألة جولة أخرى في حرب طويلة، وربما تكون مقدمة لتحول أكبر في مسار المواجهة.
لكن الفصل في ذلك لن تصنعه البيانات، ولن تحسمه الأمنيات؛ وإنما ستصنعه قرائن الميدان، وقدرة القوى الجمهورية على تثبيت ما تحقق والبناء عليه.
وعندما تتضح تلك القرائن، يمكن عندها أن نعرف الإجابة عن السؤال الذي يظل مفتوحًا:
هل بدأت معركة الفصل فعلًا، أم أن الحرب ما تزال تبحث عن طريقها إلى النصر؟.