مازن العسلي: المشكلة في اليمن هي تغييب دور البرلمان
أكد الكاتب الصحفي مازن العسلي، في مقال له، أن المشكلة في اليمن هي تغييب دور البرلمان.
وإلى نص المقال:
في ظلّ التجاذبات السياسية وتعقيدات المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد، يعود إلى الواجهة سؤال جوهري حول مصير السلطة التشريعية في اليمن، ودورها الدستوري في رسم ملامح الشرعية السياسية، لاسيّما بعد صدور قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي بتعيين رئيس جديد لمجلس الوزراء، دون العودة إلى البرلمان أو عرضه لنيل الثقة.
هذه الخطوة، وإن بدت إدارية من حيث الشكل، إلا أنها تطرح إشكالات دستورية وسياسية عميقة تتعلّق بشرعية الإجراء وموقع البرلمان المعطَّل في معادلة الحكم.
لطالما مثَّل مجلس النواب في الدستور اليمني إحدى الركائز الثلاث للسلطة، جنبًا إلى جنب مع السلطتين التنفيذية والقضائية، باعتباره المؤسسة التي تراقب وتحاسب وتمنح الشرعية للحكومات، غير أن هذا المجلس، ومنذ سنوات، يعيش حالة من التعطيل الممنهج، حيث يُستدعى فقط في اللحظات المفصلية، ثم يُعاد إسكاته وتجميده، وكأن وظيفته محصورة في منح الثقة دون متابعة أو مساءلة، وقد تحوَّل غيابه إلى سمة من سمات المرحلة، وهو غياب لم يكن محايدًا، بل ساهم بفعالية في تكريس اختلال العلاقة بين السلطات وتوسيع هامش السلطة التنفيذية دون ضوابط رقابية.
قرار تعيين رئيس الوزراء الجديد استند إلى مجموعة من المرجعيات، من بينها الدستور، وقانون مجلس الوزراء، ومبادرة مجلس التعاون الخليجي وآليتها التنفيذية، واتفاق الرياض، وإعلان نقل السلطة، لكن هذه المرجعيات، وإن كانت صالحة للإسناد السياسي، فإنها لا تُغني عن الشرط الدستوري الأصيل الذي نصّت عليه المادة (132) من الدستور، والتي تُلزم الحكومة الجديدة بعرض برنامجها على مجلس النواب لنيل ثقته، فالمشروعية الدستورية ليست مجرّد إجراء رمزي، بل ركن أساسي في توازن السلطات، يضمن مشاركة ممثلي الشعب في تثبيت الحكومات ومحاسبتها.
لقد أصبح من المعتاد أن تُشكّل الحكومات أو تُعدّل دون الرجوع إلى البرلمان، تحت ذريعة "تعطله" أو "استحالة انعقاده"، وكأنّ هذه الحالة المفروضة هي قدر لا مفر منه، لكن الحقيقة أن هذا التعطيل سياسي بالدرجة الأولى، ويُسهم باستمرار في تكريس حالة استثنائية لا يمكن أن تنتج مؤسسات مستقرة أو شرعية راسخة، بل إن الفراغ البرلماني لا يُملأ بإجراءات تنفيذية استثنائية، بل بدعوة البرلمان للانعقاد وتفعيل سلطاته وفق ما ينص عليه الدستور.
المفارقة أن البلاد تعيش واحدة من أدقّ لحظاتها التاريخية، في ظل صراع وجودي مع جماعة الحوثي الإرهابية، واستحقاقات سيادية وأمنية واقتصادية لا تحتمل الغموض أو الفراغ، وفي هذا السياق، فإن تفعيل المؤسسات الشرعية، وعلى رأسها البرلمان، لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية لحماية الدولة من الانهيار، وتصحيح العلاقة المختلّة بين مكوناتها، فالإصلاح لا يبدأ من تغيير الأشخاص، بل من استعادة الثقة بالإجراءات، والاحتكام إلى النصوص التي أجمعت عليها الإرادة الوطنية.
ختامًا، ليست المشكلة في اسم رئيس الوزراء الجديد، ولا في صفة القرار الرئاسي، بل في تغييب المؤسسة التي تمنح الشرعية وتراقب الأداء، ومهما تعدّدت المبررات، فإن الاستمرار في تجاوز البرلمان سيُبقي كل تعيين في دائرة "النقص الدستوري"، ويُرسّخ صورة دولة تقرّر من فوق، دون أن تستمع لصوت من يفترض أنه يمثّل الشعب.