أخبار وتقارير

كاتب: لجنة تنظيم الاستيراد بعدن.. آلية للاعتمادات المستندية بين ضبط السوق وتحديات الفساد


       
قال الكاتب، د/ عارف محمد عباد السقاف، في ظل الاضطراب الاقتصادي الكبير وتراجع قيمة الريال القعيطي أمام العملات الأجنبية، برزت لجنة تنظيم الاستيراد في عدن كأداة للبنك المركزي لتنظيم دخول السلع الأساسية، خاصة المواد الغذائية كالقمح، الأرز، السكر والزيوت، وضبط التعاملات المالية المرتبطة بها.
تقوم اللجنة على مبدأ الاعتمادات المستندية، وهو تعهد مصرفي يقدمه البنك للتاجر مقابل المورد الخارجي، يضمن دفع قيمة السلعة عند وصولها. هذه الآلية تهدف إلى تقليص الطلب المباشر على الدولار والريال السعودي في السوق الموازي، وتوفير عملة صعبة للتجار عبر البنوك بسعر صرف يحدده البنك المركزي، غالباً أقل من السعر المتداول في السوق.
 
آلية عمل اللجنة تقوم على تحديد أولويات الاستيراد لصالح السلع الأساسية فقط، ومن ثم إلزام التجار بتقديم ملفات استيراد متكاملة تشمل العقود والفواتير والبيانات الجمركية، إضافة إلى وجود سجل تجاري ورخصة مزاولة نشاط. كما تراقب اللجنة عملية الشحن وتؤكد وصول البضائع إلى ميناء عدن لتفادي أي تلاعب أو تهريب للعملة.
لكن هذه المنظومة ليست خالية من الإشكالات. فقد ظهرت شكاوى من تجار صغار يرون أن اللجنة تمنح الأولوية للتجار الكبار والمعتمدين لديها، الأمر الذي يخلق نوعاً من الاحتكار ويضعف المنافسة. كذلك فإن الفجوة بين السعر الرسمي الذي يمنح به البنك المركزي العملة الصعبة وسعر السوق الموازي تفتح الباب أمام شبهات الفساد وتحقيق أرباح غير مشروعة لبعض الأطراف. كما يعاني التجار من بطء في إجراءات فتح الاعتمادات بسبب ضعف احتياطي البنك المركزي، ما يؤدي أحياناً إلى تأخر وصول شحنات المواد الغذائية.
انعكاس هذه الآلية على المستهلك يظهر بشكل مباشر في أسعار المواد الغذائية. فحين تنجح اللجنة في توفير العملة الصعبة للتجار واستيراد السلع بسعر صرف أقل من السوق، يمكن أن تسهم في استقرار الأسعار وتخفيف حدة التضخم. لكن في المقابل، أي عجز في توفير الاعتمادات أو تأخر في الإجراءات يدفع التجار إلى اللجوء للسوق الموازي لتأمين عملة الاستيراد، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق المحلية وتحميل المواطن أعباء إضافية.
 
وعليه، يمكن القول إن لجنة تنظيم الاستيراد عبر الاعتمادات المستندية تمثل محاولة لضبط السوق وحماية الأمن الغذائي، لكنها ما تزال تواجه تحديات تتعلق بالشفافية، العدالة بين التجار، والقدرة المحدودة للبنك المركزي على تغطية الطلب، مما ينعكس في النهاية على حياة المواطن في عدن وأسعار المواد الغذائية التي يحتاجها.