كاتب سياسي: اليمن مُسرح دمى.. من يحرك الخيوط خلف صراعنا ومَن يكسب من فوضاه؟
قال الكاتب السياسي، حافظ الشجيفي، ليس ثمّة ما هو أكثر خداعاً للبصيرة من أن يصدق احدهم أن الصراع القائم في اليمن هو مجرد تعارض مصالح محلية، أو تنافس أحزاب على سلطة. فالحقيقة التي تختفي وراء ستار كثيف من الدخان، هي أن هذا البلد المسنود المخدوع، تحوّل إلى مسرح عرائس كبير. تُحرّك على خشبته خيوطٌ لا تُرى، تمسك بها أيادٍ بارعة في كواليس السياسة الدولية، بينما يظن المتفرجون – وهم الشعب – أنهم يشهدون دراما محلية الصنع. فالمشهد كله ميتم اخرَاجه بدقة، والأدوار مُوزَّعة بحرفية، والهدف واحد يتمثل في إدامة حالة من الفوضى الخلّاقة تخدم مخططاً أعظم، لا مكان فيه لكرامة إنسان، ولا لسيادة وطن.
وفي قلب هذا المسرح، يبرز "حزب الإصلاح" ليس كفاعل مستقل، بل كأداة متعددة الأوجه، يتغير قناعها وفقاً لإملاءات المخرج الخفي. فقبل أن تندلع الحرب المشؤومة، تم تقديم الحزب للجمهور على هيئة "ملاك" الذي يمثل صوت العقل والاعتدال، والوطني الرصين. حيث كانت الحاجة الاستراتيجية لتلك القوى الدولية التي تمول المشهد وتديره؛ تقتضي تقديم واجهة مقبولة تُخفي وراءها النوايا الحقيقية. ولكن، وكما في أي مسرحية محكمة،فقد تغيرت الفصول. مع انطلاق رصاصة الحرب، ولم تعد هناك حاجة إلى "ملاك". فقد آن الأوان لدور "الشيطان".
وانقلبت الصورة رأساً على عقب. فتحول حزب الاصلاح، بسرعة مذهلة، في الخطاب الإعلامي الموجه، إلى كيان للعنجهية والبلطجة والنهب. ولم يكن هذا التحول صدفة أو انحرافاً في المسار، بل كان تكليفاً جديداً. ليصبح "شماعة" تُعلَّق عليها كل جرائم المرحلة: الفوضى، والأزمات المعيشية، والعنف. وذلك لتبرير الواقع المأساوي للشعب في "المناطق المحررة"، وإقناعه بأن عدوه هو هذا الحزب الطائش، لا القوى التي تدفع به إلى هذا الدور من خلف الواجهة وتستفيد من فوضاه. إنها لعبة قديمة جديدة: ابتكار عدو داخلي لتحويل الأنظار عن العدو الحقيقي الذي يحرك الخيوط من خلف البحر.
ولعل مدينة تعز، الحاضرة المتعبة، هي النموذج الأكثر وضوحاً لهذه الآلة المسرحية المعقدة. فما يحدث فيها من فساد وفوضى وجرائم – وآخرها الجريمة البشعة التي أودت بحياة مديرة مكتب النظافة، الشهيدة أفتهان المشهري – ليس انهياراً أخلاقياً عشوائياً. بل تنفيذ حرفي لأجندة. الجريمة، بكل بشاعتها، وتخدم غرضاً مزدوجاً: إرهاب المجتمع، وإلقاء تبعية الفوضى على عاتق "الإصلاح" وحده، ليبدو وكأنه النار التي تأكل بعضها بعضاً، بينما من أشعلها يلوح من بعيد متبرئاً من العواقب. وهنا تقتضي الحاجة ان يتبنى الحزب نفسه الفوضى، أو على الأقل أن يتقاعس عن محاربتها، كي تبقى الصورة التي رُسِمَت له قائمة، وكي لا ينكشف الخيط الذي يربطه بمن يدفع له من الخارج.
ولا يمكن فهم هذه الآلية دون تفكيك نموذجين بارزين: توكل كرمان وحمود المخلافي. فكلاهما ينتمي إلى دائرة "الإصلاح"، وكلاهما مثّل دوراً متحولاً بتوقيت مريب. فكرمان، التي كانت أيقونة "الملاك" الثوري في ربيع 2011، تحولت بين عشية وضحاها إلى "شيطان" في الخطاب الموجه بعد الحرب، لا لأن شخصيتها تغيرت، بل لأن المصلحة الدولية التي تخدمها كانت تحتاج إلى تحويل مسار الثورة، فاحتاجت إلى تحويل رمزها. وكذلك المخلافي، قائد المقاومة في تعز الذي لبس رداء البطولة في الفصل الأول من المسرحية، ليتحول فجأة في الفصول اللاحقة إلى بلطجي وميليشياوي في الرواية ذاتها. إنه تحول لا يعكس تغيراً في الشخص، بل تغيراً في "النص" المطلوب تنفيذه. فالمخلافي، وغيره، ليسوا سوى دمى تُحرك حيناً إلى الأمام بحبل "المقاومة"، وتُسحب حيناً آخر إلى الخلف بحبل "الفوضى"، وفقاً للحاجة الدرامية للمشروع الدولي.
الخلاصة المرة التي تفرض نفسها هي أن اليمن، بكل مكوناته السياسية الظاهرة – الإصلاح، الحوثي، وغيرهما – يعيش تحت وصاية "مخرج" دولي. فكل فريق يؤدي الدور الذي كُلِّف به: فريق للقتال، وفريق للفوضى، وفريق للتفاوض. والغاية النهائية ليست انتصار فريق على آخر، بل إدامة الصراع نفسه. لأن اليمن الضعيف، الغارق في دمائه، هو اليمن الذي لا يقف عقبة أمام المخططات الإقليمية والدولية، هو اليمن الذي يمكن ابتزازه وإرغامه على القبول بـ"حلول" سياسية جاهزة تُكرس التبعية والتفكك.