قال الكاتب السياسي حافظ الشجيفي، في أتون الجدل السياسي الذي يحيط بمساعي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عيدروس الزبيدي، يتداول أنصاره حجةً لافتة أمام المخالفين لهم في الرأي: اذ يقولون لهم يكفيكم فخرًا وإنجازًا أن القائد عيدروس الزبيدي قد أوصل القضية الجنوبية للمحافل والأروقة الدولية". في عبارة، يراد بها إسكات النقد وتأكيد مشروعية المسار، على نحو يدعونا للتوقف عند دلالتها العميقة ومحاولة فهم ما يعنيه وصول قضية سياسية ما إلى تلك المحافل تحديدًا.
فوصول أي قضية سياسية ذات ثقل وحساسية للمحافل الدولية - كمجلس الأمن،او الأمم المتحدة، أو عواصم القرار الكبرى - يمثل نقطة تحول جوهرية في مسار القضية،وترافقه بالضرورة إجراءات ومواقف سياسية وقانونية ودبلوماسية واضحة وفورية من قبل هذه المحافل حيث لا يمكن وصول هذه القضية اليها أن يظل في نطاق اللقاءات المغلقة أو التصريحات الودية؛ بل يُترجم إلى اعتراف جليّ ودعم معلن وخطوات لا تقبل الغموض أو المواربة اذ يفرض منطق القانون الدولي والدبلوماسية الحقيقية هذا التفاعل الحاسم بشكل فوري ومباشر بمجرد استلام أي ملف مصيري .
ولكن، حين نتأمل واقع القضية الجنوبية، على الرغم من ادعاء البعض بانها قد وصلت للمحافل الدولية عبر تفويض الزبيدي منذ عشر سنوات، فإن المشهد يتناقض جذريا مع هذا المنطق. حيث لم نرى أي مواقف أو إجراءات قانونية أو دبلوماسية أو سياسية قد اتخذتها هذه المحافل الدولية حيالها. بل على العكس، فان السائد هو تهميش كبير، وتجاهل واضح، وصمت مطبق تجاه هذه القضية المصيرية والغياب التام لبيان رسمي، أو قرار أممي، أو حتى ذكر متواتر لها، يقوض تمامًا دعوى ايصالها للمحافل الدولية
ولإدراك مدى عمق هذا التهميش، يكفي أن نقارن بين مسار القضية الجنوبية وموقف المحافل الدولية من حادثة فردية وقعت في عدن موخرا فبمجرد توقيف الصحفي فتحي بن لزرق لمدة ساعة ونصف في أحد أقسام الشرطة، وصلت تفاصيل الواقعة للمحافل الدولية خلال ساعات فقط. فرأينا الدول العظمى تتواصل وتتضامن معه بشكل مباشر، وتعلن إدانتها الواضحة لما تعرض له في مفارقة تضع القضية الجنوبية في وضعٍ لا يليق بحجمها، فكيف لقضية شعب مصيرية بهذا الحجم أن تظل طريقها الى هذه المحافل على مدى ثلاثة عقود من الزمن، بينما يهتز الرأي العام الدولي لحدث عابر يتعلق بحرية فرد تم توقيفه لمدة ساعة ونصف قبل إخلاء سبيله..
والمثير للتأمل هنا هو أن القضية الجنوبية، في بدايتها إبان الحراك الجنوبي السلمي الذي سبق تفويض القائد الزبيدي، حظيت باهتمام دولي نسبي، لا سيما لدى الأمم المتحدة. لكن، منذ تفويض الزبيدي بتمثيلها، لم نشهد أي اهتمام دولي، بل تهميشًا مطبقًا لها
هذا التبدل يثير تساؤلات جدية، لا سيما مع الأخذ في الحسبان أن القائد الزبيدي يقضي معظم أشهر السنة خارج البلاد بشكل متواصل، ويلتقي بسفراء وممثلي العالم والغريب هنا، أنه في هذه اللقاءات، يتحدث عن قضية اليمن والحوثي بشكل رئيسي، ولا يتحدث عن القضية الجنوبية باعتبارها جوهر تفويضه على نحو يوحي بأن القضية الجنوبية باتت وكأنها خارج إطار اهتمامه وحساباته في السرد الدولي، وكأنه غير معني بتمثيلها الحصري.
إن المعيار الحقيقي لوصول القضية الجنوبية للمحافل الدولية هو أن تحظى بالاعتراف والاهتمام المباشر وأن تتخذ هذه المحافل الدولية مواقف حاسمة وواضحة بشأنها. وأي ادعاء بخلاف ذلك، هو تجميل للواقع لا يخدم القضية في شئ.
لذلك، يجب أن يتناول الجنوبيون هذا الموضوع ببالغ المصداقية والموضوعية وأن يميزوا بين حركة السفر واللقاءات البروتوكولية التي تخدم أدوارًا أخرى (كالدور ضمن "الشرعية")، وبين الإنجاز السياسي الملموس الذي يُترجم إلى دعم دولي ثابت وموقف أممي واضح. وما لم يتحقق هذا الأخير، يظل الإدعاء بوصول القضية الجنوبية للمحافل الدولية مجرد وهم يُستخدَم لإسكات النقد، بينما القضية ذاتها مهمشة في الظل، تنتظر من يرفع صوتها بصدق وفعالية سياسية حقيقية تكسر صمت العواصم.