علي بن أبي طالب.. ربيبُ النبوةِ وسيفُها المسلول.
حسين السليماني الحنشي
حينما أذن القدر الإلهي لشمس الإسلام أن تشرق، اختار الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ظهيراً لم يبارحه لحظة، وروحاً جُبلت على أنوار النبوة منذ نعومة أظفارها؛ فكان إسلام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- انبثاقاً لفطرةٍ لم تكدرها الجاهلية، وعهداً استقى يقينه من حِجر المصطفى. لم يكن علي رابع الخلفاء فحسب، بل كان "الفتى" الذي تجمعت فيه خصال المجد؛ فبذلَ الروح، وأرسى قواعد القضاء، وزهد في حطام الدنيا، ليغدو الأنموذج الذي جمع بين هيبة الأسد في الميادين، وخشوع العابد في المحاريب.
لقد صاغ بيت الوحي شخصية علي، فارتوى من لبان الحكمة من نبعها الصافي، وغدا للنبي صلى الله عليه وسلم كالظل لا يفارقه؛ حتى آثره المصطفى بالمؤاخاة حين آخى بين المهاجرين والأنصار، قائلاً له: «أنت أخي في الدنيا والآخرة». ولم يكن هذا القرب مجرد صلة رحم، بل كان انصهاراً في الذات والمنهج، تجلى في أسمى صوره حين قال له النبي صلى الله عليه : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي». فكان علي المرآة التي عكست خُلق النبوة شجاعةً وحلماً وعدلاً، والوصيّ الأمين على قيم الإسلام في أحلك الظروف وأصعبها.
وفي الليلة التي زلزلت تاريخ الوفاء، حين تكالبت سيوف الغدر لمحاصرة بيت النبوة، استوى الفتى في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم ليفديه بمهجته، ضارباً أروع أمثلة التضحية التي تزدري الموت. كان يعلم أن النصال تترقب جسده، لكنه استقبلها بطمأنينة الواثق، ليدشن لقب "أول فدائي في الإسلام". لم تكن تلك الليلة مجرد تمويه لنجاح الهجرة، بل كانت إعلاناً صريحاً عن ولادة فارسٍ يرى الحياة رخيصةً في سبيل الله ونصرة دينه.
وإذا ما ذُكر العلم، برز علي كمنارة لا تُطاول؛ لم يكن علمه مجرد استظهارٍ للنصوص، بل كان فقهاً استراتيجياً وقضاءً حازماً استعصى على كبار الصحابة، فكانوا يلوذون بعبقريته في المعضلات قائلين: «قضية ولا أبا حسنٍ لها». لقد سبر أغوار التشريع ومخر عباب اللغة والبلاغة، فكانت كلماته نبراساً للعقول وخطبه دستوراً للبيان، جاعلاً من الفكر سلاحاً لا يقل مضاءً عن سيفه .
أما في ساحات الوغى، فكان علي "الإعصار" الذي لا يبقي ولا يذر؛ لا يبارز بطلاً إلا أرداه، ولا يقتحم حصناً إلا فُتح على يديه. وما تزال أصداء صولته في "بدر"، وثباته في "أحد"، ومبارزته لابن عبد ود في "الخندق" تروي قصة الإيمان كله في مواجهة الكفر كله. وفي "خيبر"، حين نادى المنادي: «لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، كان علي هو المختار لقلع باب الحصن بقوةٍ ربانية، معلناً أن النصر حليف الصدق واليقين.
وعلى الرغم من تربعه على سدة الخلافة، عاش علي زاهداً في بريق السلطة، غريباً عن زينة الدنيا. كان يرقّع ثوبه بيده، ويأكل اليابس والخشن من الطعام، ويوزع بيت المال على الفقراء حتى يستفرغ ما فيه، ثم ينضحه بالماء ويصلي فيه شكراً لله. كان يرى في الحكم "تكليفاً" لا يُطلب إلا لإحقاق حق أو إزهاق باطل، فصار زهده مدرسة للأجيال، تُعلمنا أن الانتصار الحقيقي يبدأ بقهر النفس قبل قهر الأعداء.
لقد خُتمت حياة "الكرار" كما بدأت: إخلاصاً مطلقاً لله؛ فنال الشهادة في أقدس البقاع (المحراب)، وفي أطهر الشهور (رمضان)، ليرحل إلى ربه والدم يخضب شيبته الكريمة، وهو يتمتم بيقينه الخالد: «فُزتُ ورب الكعبة». رحل علي وبقي نهجه حياً؛ سيفاً في وجه الظلم، وعقلاً يضيء دروب العلم، وقلباً ينبض بحب الله، ملهماً لكل ثائر على الباطل في كل زمان ومكان.