حين يختلط الحابل بالنابل… قراءة في فوضى العصر الحديث
حسين العولقي
لم يعد المثل العربي القديم اختلط الحابل بالنابل مجرد تعبير تراثي يستحضر في سياق الحكايات القديمة بل أصبح توصيفا دقيقا لحالة معاصرة تعيشها البلاد اليوم بكل تفاصيلها وتعقيداتها .ففي الأصل يشير هذا المثل إلى حالة من الفوضى أثناء الصيد حين يختلط من يمسكون الحبال بمن يرمون السهام فلا يعود بالإمكان التمييز بينهم .
أما اليوم فقد اتسع المعنى ليعكس واقعا أكثر تشابكا تتداخل فيه الأدوار وتضطرب فيه المفاهيم .
ولا يقتصر هذا الاضطراب على المجال الإعلامي فقط بل يمتد إلى مختلف مناحي الحياة بما في ذلك العمل الإداري والسياسي وحتى الحياة اليومية.
حيث تتداخل المسؤوليات وتضيع الحدود بين الأدوار فتسود حالة من الارتباك العام . ومن أبرز مظاهر هذه الفوضى تدخل بعض الأفراد في أعمال ليست من اختصاصهم واعتقاد كل شخص بأنه الأجدر بالفهم والرأي في جميع المجالات حتى تلك التي لا يمتلك فيها المعرفة أو الخبرة الكافية .
هذا التدخل غير المنضبط لا يؤدي فقط إلى تشويش العمل بل يسهم بشكل مباشر في تراجع الأداء وظهور الفشل في العديد من المرافق والمؤسسات .
فغياب التخصص وإقصاء أصحاب الخبرة يفتح الباب أمام قرارات غير مدروسة ويضعف من جودة العمل الإداري وفعاليته .
من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة الاعتبار لمبدأ أساسي في بناء المجتمعات الناجحة وهو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب كما ينبغي أن نترك المجال لذوي التخصصات والمؤهلات ليقوموا بأدوارهم بكفاءة بعيدا عن التدخلات العشوائية التي تعيق التقدم وتربك سير العمل .
ومع تزايد التحديات يصبح من الضروري أيضا تعزيز الوعي النقدي لدى الأفراد وتشجيعهم على التحقق من المعلومات والرجوع إلى مصادر موثوقة . فالمعرفة لم تعد ترفا بل أصبحت أداة أساسية للتمييز والفهم واتخاذ القرار الصحيح .
إن استحضار هذا المثل اليوم ليس مجرد استعادة لتراث لغوي بل هو دعوة صريحة للتأمل في واقعنا والعمل على تفكيك هذا التشابك الذي نعيشه . فإما أن نمتلك الأدوات التي تمكننا من فرز الحابل من النابل أو نظل ندور في دائرة من الفوضى لا تنتهي .
وفي النهاية يبقى السؤال مفتوحا هل نحن مستعدون لإعادة النظام إلى هذا العالم المزدحم بالضوضاء أم أننا سنستمر في التعايش مع اختلاط لا يميز بين الحابل والنابل ؟