أخبار وتقارير

قاهر مصطفى.. قاضٍ في زمن الاستثناء ومسيرة إصلاح تستحق التوثيق


       

في زمن تشظت فيه مؤسسات الدولة تحت وطأة الأزمات السياسية والاقتصادية، وفي لحظة مفصلية من تاريخ القضاء اليمني، برز اسم القاضي قاهر مصطفى علي، النائب العام للجمهورية اليمنية، كأحد أبرز الرموز القضائية والإصلاحية، حيث سطّر مسيرة استثنائية في إعادة الاعتبار للنيابة العامة، وترسيخ سلطة القانون، وتفعيل الرقابة على أجهزة الضبط، في ظل تحديات عاصفة تمر بها البلاد.

 

خارطة إصلاحية وسط الركام

منذ تعيينه نائباً عاماً بقرار مجلس القيادة الرئاسي رقم (13) لعام 2022م، شرع القاضي قاهر مصطفى في تنفيذ خارطة طريق إصلاحية طموحة، استهدفت إعادة هيكلة النيابة العامة من الداخل، وتعزيز دورها الرقابي، وتحسين البنية التحتية، وتوسيع اختصاصاتها بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة.

 

المؤسسية أولاً.. بنية، تدريب، رقابة

  • تم إنشاء شعب متخصصة داخل ديوان النيابة العامة مثل شعبة حقوق الإنسان، شعبة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وشعبة الجرائم الإلكترونية، إلى جانب دوائر إعلامية وفنية عززت من كفاءة الجهاز القضائي.
  • على مستوى الهيكل، توسع نطاق النيابات الابتدائية والاستئنافية، وتأسست نيابات نوعية مثل نيابة الضرائب والجمارك، ونيابة الآثار والصناعة، ونيابة الجرائم الإلكترونية، ما ساهم في تسريع البت في القضايا وتخفيف الضغط القضائي.
  • على صعيد التدريب، تم تفعيل دائرة التأهيل لأعضاء النيابة ومأموري الضبط القضائي، وإشراكهم في ورش داخلية وخارجية بدعم دولي، شملت مجالات مكافحة الفساد، الاتجار بالبشر، والتحقيقات الجنائية الحديثة.

 

إنجازات رقمية وإدارية.. نحو تحول رقمي عدلي

لم تغب التكنولوجيا عن فكر النائب العام؛ فقد دُشنت أولى مراحل الأرشفة الإلكترونية لأعمال النيابة، وتم إنشاء بوابة إلكترونية لتقديم الشكاوى ومتابعتها، كما أسست شعبة متخصصة لمكافحة جرائم الابتزاز الإلكتروني، في استجابة نوعية للتطور الإجرامي عبر الإنترنت.

 

أرقام تتحدث.. الإنجازات بالأدلة

تم التصرف في أكثر من13749 قضية من أصل 17363 في عام 2023م بنسبة إنجاز 79.2%، فيما بلغت نسبة الإنجاز في القضايا الواردة للنيابات الاستئنافية 97.9%.

خلال عام 2024م، تم التصرف في 18963 قضية من أصل 22722بنسبة إنجاز83.5%، أما في النصف الأول من 2025م، فقد بلغت نسبة الإنجاز 65.9% في النيابات الابتدائية، و95.5% في الاستئنافية.

أما ماليًا، فقد تم إعادة أكثر من 26 مليار ريال يمني إلى مؤسسات الدولة، إلى جانب أكثر من 185 مليون ريال تم توريدها لحسابات الإيرادات العامة.

 

قضاء خارج الحدود.. نحو علاقات دولية فعالة

شارك القاضي قاهر مصطفى في عدة مؤتمرات عربية ودولية، منها مؤتمر الرابطة الدولية للنواب العموم في تبليسي، لندن، باكو، والاجتماعات السنوية لجمعية النواب العموم العرب في مراكش وظفار، كما وقّع مذكرات تفاهم مع النيابات العامة في السعودية، المغرب، مصر، والإمارات لتعزيز التعاون القضائي ومكافحة الجريمة المنظمة.

 

مواجهة التحديات.. العدل رغم الرياح المضادة

لم تمر الإصلاحات الجذرية التي قادها القاضي مصطفى دون مقاومة من الأطراف المتضررة؛ فقد واجه حملات ممنهجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة بعد قراراته الصارمة في ملفات حساسة، مثل:

  • حظر التعامل بالعملات الأجنبية داخل اليمن لحماية الريال الوطني.
  • منع التصرف في المضبوطات الجنائية داخل المنافذ دون إذن قضائي.
  • ضبط الأمن داخل المنافذ البرية والبحرية والجوية وتقييد تواجد أي جهات أمنية غير رسمية فيها.

هذه القرارات، رغم ما أثارته من ردود أفعال حادة، جاءت في إطار حماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز سيادة الدولة، وتأكيد استقلال السلطة القضائية.

 

قاضٍ في زمن استثنائي

القاضي قاهر مصطفى علي، من مواليد عدن – كريتر في 2 نوفمبر 1963م، يحمل شهادة البكالوريوس في القانون من جامعة عدن (1988م)، ويمتلك سيرة مهنية زاخرة بالمناصب والمهام القضائية من شبوة إلى سقطرى، مرورًا بأبين، لحج، الضالع، وتعز. وكان رئيسًا للجنة الوطنية للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان (2015-2017م)، قبل أن يُعيّن عضوًا في مجلس القضاء الأعلى، ثم نائبًا عامًا للجمهورية في مايو 2022م.

 

ليست هذه السيرة توثيقًا شخصيًا لمسؤول قضائي فحسب، بل هي جزء من تاريخ العدالة اليمنية في أصعب لحظاتها. إنها مسيرة إصلاح مؤسسي متكامل، تستحق أن تُحفظ وتُروى كدرسٍ في الشجاعة المهنية، والنزاهة، والإصرار على ترسيخ دولة القانون رغم التحديات.