في عمق صمت الحجر، تتجلى امرأة من زمنٍ سحيق، تحدّق بعينين واسعتين مرصّعتين بمادة داكنة كأنهما بقايا ليلٍ قديمٍ حفظ سرّ الملوك والكاهنات. إنها “ذات التاج البرونزي”، التمثال الاستثنائي المنحوت من المرمر والبرونز، الآتي من مدينة تمنّع – عاصمة مملكة قتبان في جنوب الجزيرة العربية، والمُؤرّخ إلى القرن الثالث قبل الميلاد؛ أي إلى أكثر من ألفي عامٍ مضت، حين كانت المرأة في اليمن القديم لا تقف في الهامش، بل في قلب الطقوس والاقتصاد والقداسة.
يقف التمثال في وقارٍ مهيب، على قاعدة صغيرة، وقدما صاحبته العاريتان تغرسانها في صلابة الأرض، كأنها تقول: هنا مكاني من التاريخ، لا يُمحى.
شعرها البرونزي المصفّف بعناية يتوّج رأسها بتاجٍ ملوكي، وضفيرتها المنحوتة تنسدل بخطوطٍ دقيقة تُحاكي الحركة. على ذراعيها أساور من البرونز، يلتف بعضها كالأفاعي — رمز الحماية والخصب والحكمة في معتقدات الجنوب العربي القديم — بينما تتدلّى من أذنيها أقراطٌ معدنية تضج بالحياة.
ملامح وجهها تحمل مزيجًا من الرصانة والجمال: الحواجب الرفيعة المرتفعة، والعينان الكبيرتان المحفورتان بعمقٍ والمطعّمتان بالبيتومين الداكن، والأنف المستقيم، والشفتان المنطبقتان بهدوءٍ أقرب إلى التأمل.
ذراعاها المثنيتان للأمام، إحداهما مفتوحة والأخرى مقبوضة كأنها تمسك بنذرٍ أو قربان، توحيان بأنها امرأة عابدة أو ملكة كاهنة تجمع بين السلطان الأرضي والوصال السماوي.
يصف خبراء مؤسسة فينكس للفن القديم (Phoenix Ancient Art) هذا العمل بأنه أكمل تمثالٍ مرمري معروف من اليمن القديم، إذ يدمج بين الحجر والبرونز بانسجامٍ نادرٍ يدل على حرفيةٍ راقية ومدرسةٍ نحتية متميزة سبقت زمنها. ويشير كليفلاند ودي ميغريه في دراساتهما إلى أن هذا الطراز الفني يمثّل ذروة التفاعل بين الفن القتباني ورمزية المرأة كقوةٍ مقدسةٍ في حياة ما قبل الإسلام.
منذ مغادرته اليمن قبل عام 1970م، تنقّل التمثال بين فرنسا وسويسرا، ثم عُرض في معرض باد لندن (PAD LONDON) في ساحة بيركلي عام 2017م، متوّجًا بكونه تحفة شاهدة على مجدٍ أنثويٍّ غابر، وعلى مرحلةٍ من التاريخ العربي القديم كانت فيها المرأة محور الطقوس، والاقتصاد، والسلطة الروحية.
كلّ تفصيلةٍ في “ذات التاج البرونزي” تحكي حكاية: من الشعر المصبوب بالبرونز إلى الأصابع الصغيرة المشدودة، ومن القلادة إلى نظرتها الهادئة التي لا تزال تخترق الزمن. ليست مجرد تمثالٍ لمجهولة، بل شهادة فنية على أن المرأة في الجزيرة العربية القديمة كانت رمز الوعي، والجمال، والقدرة على صنع المعنى.
من د. نسرين البغدادي