أخبار وتقارير

الشجيفي: انفصام الدبلوماسية.. عندما يقرأ مجلس الأمن من كتاب الموتى


       

قال حافظ الشجيفي: "تقف الذاكرة السياسية اليوم أمام مشهد غارق في السريالية، حيث تمارس القوى الدولية نوعًا من الانفصام الفكري الذي يتجاوز حدود المنطق ليدخل في طور العبث المحض، فبينما يضج تراب الجنوب العربي بهدير الملايين وتخفق راياته في كل شبر من جغرافيا لا تقبل القسمة إلا على الحرية، يخرج علينا مجلس الأمن ببيان يحمل لغة خشبية متآكلة، يتحدث فيها عن وحدة أراضي بلد لم يعد موجودًا إلا في مخيلة من صاغوا تلك الحروف، متجاهلين أن الوقائع على الأرض حطمت كل القيود الوهمية التي حاولت صهر هويتين متنافرتين في قالب قسري فاشل."

وأضاف: "إن القارئ لسطور هذا البيان يدرك للوهلة الأولى أننا نعيش في زمن تذبح فيه إرادة الشعوب على مذبح المصالح الدولية الضيقة، وحيث يصر المجتمع الدولي على تسمية الأشياء بغير مسمياتها، فاليمن الذي يتغنون بوحدته صار أثرا بعد عين، وتمزقت أوصاله بفعل صراعاته الداخلية وتركيبته التي لم تعرف يومًا معنى الدولة الحقيقية، بينما ينهض الجنوب العربي كطائر الفينيق من تحت رماد عقود من التهميش والإقصاء والاحتلال، معلنًا بوضوح لا يقبل التأويل أن مسار التاريخ قد انحرف نهائيًا عن تلك الوحدة المغدورة، وأن العودة إلى الوراء ليست سوى ضرب من الخيال الذي لا يسكن إلا رؤوس الواهمين."

وأشار: "وعندما نتأمل في الزخم الشعبي العارم الذي يجتاح مدن الجنوب وقراه، ونرى ذلك التلاحم الأسطوري بين القيادة والشعب خلف فخامة الرئيس عيدروس الزبيدي، ندرك أننا لسنا بصدد اعتصامات أو مطالبات عارضة، بل نحن أمام ثورة هوية متكاملة الأركان، بلغت ذروتها بانضمام الوزراء والمسؤولين الجنوبيين إلى صفوف شعبهم، محولين مؤسساتهم إلى أدوات لخدمة المشروع الوطني الجنوبي، وهو موقف يجسد قمة النضج السياسي والوطني، ويؤكد أن الدولة الجنوبية القادمة ليست مجرد حلم يراود الثوار، بل هي واقع مؤسساتي يتشكل في رحم المعاناة والتضحيات الجسيمة."

وتابع: "ولعل الأجدى بمجلس الأمن، وهو يراقب هذه التحولات الجيوسياسية الكبرى، أن يتحلى بالشجاعة الكافية ليعترف بأن الجنوب العربي ليس ولن يكون جزءًا من اليمن، فالعلاقة التي ربطت الطرفين لم تكن يومًا وحدة طوعية بين شقيقين، بل كانت علاقة احتلالية بكل ما تحمله الكلمة من مرارة وقهر، سعت لطمس هوية شعب عريق وتدمير مقدراته، ومن هنا تتجلى الحقيقة الساطعة التي تقول إن التحرر من هذا الرباط المغموس بمستنقع الباطل هو حق مشروع كفلته الشرائع السماوية والمواثيق الوضعية، وأن وحدة الأراضي التي يتباكون عليها هي في الحقيقة دعوة لاستمرار الاستنزاف والحروب والاضطهاد."

وأضاف: "ويخطئ من يظن أن هذا الصوت المدوي الذي يملأ الآفاق يمكن إخماده ببيان باهت أو بمناورة دبلوماسية خلف الأبواب المغلقة، فقد تحول شعب الجنوب اليوم إلى قلب رجل واحد، وصار يمتلك زمام المبادرة والقدرة على فرض إرادته فوق أرضه، متسلحًا بعدالة قضيته وإيمانه المطلق بأن استعادة دولته المستقلة هي الممر الوحيد والآمن لتحقيق الاستقرار في المنطقة برمتها، وبناء عليه، تظل تلك البيانات الدولية مجرد حبر على ورق لا يغير من قداسة الهدف أو عزيمة المناضلين شيئًا، بل يزيدهم إصرارًا على المضي قدمًا نحو انتزاع الاستقلال الكامل والناجز."

وختم قائلاً: "فالفلسفة التي تحكم النضال الجنوبي اليوم تنبع من صدق التجربة ومرارة الدروس القاسية، وهي فلسفة لا تقبل المساومة على الكرامة الوطنية، فمن قدم قوافل الشهداء والجرحى، ومن صمد في الميادين لسنوات طوال تحت لهيب الشمس وبرد التجاهل، لن ترهبه لغة التهديد المبطن أو عبارات القلق الدولي، فالجنوب اليوم يستعيد ذاته المسلوبة، ويضع العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية والتاريخية، بعيدًا عن لغة المجاملات التي لم تورثنا سوى الضياع، مؤكدًا أن شمس الدولة الجنوبية قد أشرقت، ولن تستطيع أي غيوم دولية حجب نورها الساطع."