أخبار وتقارير

حافظ الشجيفي: حوار تقصيص الأجنحة محاولة شرعنة الغزو بوجوه جنوبية مستعارة


       

قال الكاتب حافظ الشجيفي: "يأبى العقل المنطقي أن يستسيغ المتناقضات مهما جرى تجميلها بمساحيق الدبلوماسية أو تغليفها بعبارات الود الزائف، إذ كيف يستقيم أن تضع يدك في يد من يصافحك نهارًا ويقصف دارك ليلا، وكيف لوليمة حوار أن تنعقد فوق أنقاض البيوت التي ما زال غبار صواريخها يحجب السماء".

وأضاف: "الحقيقة أنني ممن صفقوا بحرارة لدعوة مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي حين أطلقت السعودية مبادرتها، وكنت أرى فيه، ومعي جموع الجنوبيين، فرصة تاريخية لصياغة كلمة جامعة ترسم ملامح الغد حتى لو كان سقف الطموح فيدرالية تحفظ الكيان وتحقن الدماء، لكن هذا الحماس سرعان ما اصطدم بصخرة الواقع المرير حين قررت طائرات الراعي نفسه أن تختار منزل عيدروس الزبيدي في الضالع هدفًا لنيرانها، بالتزامن مع فتح الأبواب على مصراعيها للقوات اليمنية لتعيد اقتحام عدن واستباحة السيادة فيها".

وأشار إلى أن "المشهد تحوّل من طاولة تفاوض إلى مسرح للعبث السياسي الذي لا يورث إلا التشاؤم المطلق واليقين بأن هذا الحوار قد فقد جدواه ومعناه قبل أن يبدأ، خاصة وأن الذي يظن أن انعقاد المؤتمر في لحظة شعور الشعب الجنوبي بالهزيمة والانكسار سيجعل الجماهير أكثر طواعية وقبولًا بالنتائج هو شخص يعيش في غيبوبة معرفية تامة بخصوص سيكولوجية الشعوب".

وتابع: "الرهان على الضعف هو رهان خاسر في عرف التاريخ، وقد علمتنا التجارب أن الشعوب الحية من الممكن أن تتقبل إنصاف الحلول وتسير في دروب التسويات حين تكون نابعة من شعور بالندية والانتصار، لكنها ترفض وبكل عناد الدنيا أرقى الحلول وأعظم المكاسب إذا قدمت لها وهي تشعر بالانكسار، لأن قبول أي حل في لحظة الضعف يعني في الوجدان الجمعي توقيعًا على صك التبعية لا ميثاقًا للحرية".

وأضاف: "من هنا فإن أي نتائج ستتمخض عن هذا المؤتمر، حتى لو تضمنت وعدًا صريحًا بالاستقلال الناجز، ستقابل باللفظ والاستهزاء من شعب يرى أن حواره مع كرامته أولى من حواره مع من منحه الطعنة والقبلة في آن واحد".

وأشار إلى أن "تزداد حدة السخرية حين نتساءل عن جدوى حوار يراد له أن يجمع الجنوبيين بعد أن جرى ضرب الطرف الأهم فيه، وهو الطرف صاحب التفويض الشعبي والقضية الحية الذي حرر الأرض وحماها بدمائه، فكيف يمكن لأطراف تفتقر إلى الصلة الوثيقة بالجنوب وشعبه، وأطراف أخرى كانت دومًا في خندق العداء لقضيته، أن تجلس لتقرر مصيرًا في غياب أو تغييب الطرف الأكثر ارتباطًا بالأرض والشرعية الشعبية والثورية".

وتابع: "راعي الحوار عمد بوضوح إلى تقصيص جناحات هذا الطرف وإضعاف مخالبه بعد أن أطلق دعوته للحوار معه، وهو تناقض يثير العجب ويؤكد أن النية لم تكن يومًا الوصول إلى وفاق حقيقي بقدر ما كانت محاولة لتدجين الإرادة الجنوبية".

وأضاف: "الترتيبات التي سبقت قصف الضالع واقتحام عدن كانت تهدف إلى كسر الكبرياء الجنوبي قبل الجلوس على الطاولة، وهو أسلوب يفتقر إلى الحصافة والذكاء السياسي معا، فالحوار الذي يولد تحت ظلال طائرات القصف لا ينتج إلا جنينًا مشوهًا لن يُكتب له الحياة في أرض الجنوب، ولهذا فإن مبررات عقد هذا الاجتماع قد انتفت تمامًا، وصار الإصرار عليه في ظل هذه الظروف مجرد مضيعة للوقت واستنزافًا للجهد وتبذيرًا للمال في غير موضعه".

وأشار أيضًا إلى أن "نحن أمام مشهد يفتقر إلى أبسط قواعد النزاهة، فكيف نتحاور والبنادق الغازية تعود لتنتشر في طرقاتنا بضوء أخضر ممن يدعي رعاية الوفاق، وكيف لنا أن نصدق نية الإصلاح ممن استهدف الرمز الجنوبي في مسقط رأسه ليلة الأمس".

وتابع: "الحقيقة العارية هي أن الاستمرار في هذا المسار هو استخفاف بالوعي وتحدٍ سافر لكرامة شعب لا يرى في هذا المؤتمر سوى محاولة بائسة لشرعنة الأمر الواقع بوجوه جديدة، وهي كرامة ترفض أن تكون مادة للمساومة فوق طاولات أُعدت في غرف التآمر".

وأضاف: "فمن غير المقبول عقلاً أو منطقًا أن يشرعن المكلوم هزيمته تحت مسمى الحوار، ومن غير المتصور أن ينتج الضعف قوة أو أن يلد الانكسار استقلالًا، ومن هنا ينتهي الكلام لتبدأ إرادة الشعب التي لا تقبل القسمة على اثنين ولا ترتضي بغير السيادة الكاملة ثمنًا لتضحياتها الجسام التي لم تتوقف يومًا".