أخبار وتقارير

الشجيفي: صوت الملايين الجنوبي.. إرادة لا تُكسر وسيادة لا تُساوم


       

قال الكاتب حافظ الشجيفي، ما هذه الجموع التي تموج بها ساحة العروض إلا فيضٌ من الروح جاش به صدر الأرض قبل أن يكون حشدًا من الأجساد ضاقت به الفجاج، وما هذا الهدير الذي يرجّ أقطار السماء إلا رجع صوت القدر حين يقرّر أن يكتب باللسان الجنوبي فصل الخطاب في تاريخ الإرادة الإنسانية.

فالحق الذي لا تسنده القوة يظل في نظر الغاصب كأنه فكرة يتلهّى بها الخيال، ولكن الحق الذي تسير خلفه هذه الجماهير الجبّارة التي تقاطرت من كل صوب هو الحق الذي يضع الموت في كفة والحياة في كفة، ثم يختار الموت ليصنع منه حياة تليق بالأحرار والكرام.

وإن الذي ينظر في هذه الوجوه المشرقة بنور اليقين يدرك أن الشعوب لا تهرم إذا هي اعتصمت بحبل كرامتها، وأن الإرادة الجمعية لأبناء الجنوب حين تنصهر في صورة أسطورية من التلاحم والوفاء، فإنها تصبح قدرًا لا يُرد وبأسًا لا يُفل. فما كانت هذه الساحة يومًا مجرد رقعة من التراب، بل هي اليوم محراب للحرية ومحشر للسيادة، تجلّت فيه عظمة الشعب صاحب الأرض وصاحب القرار.

وتابع فالشعب الجنوبي العظيم يتكلم اليوم بكل لغات العالم، ويخاطب الضمير الإنساني ببيان لا يحتاج إلى مترجم يوضحه ولا إلى سياسي يؤول مقاصده.

فالرسالة أبلغ من الحروف وأوقع من الخطابة حين تنغمس في مداد الدماء، وتُكتب بأقلام الأرواح التي تعاهدت على الفداء والاستقلال. فكيف يظن واهم أن قومًا نذروا أنفسهم للحرية يمكن أن يفرّطوا في استقلالهم لوهلة أو يتنازلوا عن حقهم في السيادة الكاملة، وهم الذين ما برحوا يناضلون ويقاتلون ويضحّون بكل غالٍ ونفيس ما دام في الصدور نفس يتردد وفي العروق دم يجري.

إذ إن الانعتاق في عرف هؤلاء ليس ترفًا سياسيًا، بل هو ضرورة وجودية كالماء والهواء. ومن توهّم أن الاحتلال يمكن أن يستوطن أرضًا تحرسها قلوب تأبى الضيم فقد أخطأ قراءة التاريخ، وأساء فهم الطبائع البشرية التي جُبلت على الأنفة والاعتزاز، ولم تُخلق لتعيش في ذل أو تستكين لهوان. فالعيش تحت وطأة الغصب هو الموت الحقيقي وإن تحركت الجوارح ونطقت الألسن.

وأشار إلى أن الصوت الواحد المدوّي الذي ينطلق من حناجر هذه الملايين ليقول لمن يحاولون الالتفاف على الإرادة أو العبث بالمصير: إننا شعب لا ينكسر ولا يلين، ولن يقبل أنصاف الحلول التي تسرق المضمون وتمنح القشور. فالاعتداء على قيادة هذا الشعب وممثلي تطلعاته ليس إلا اعتداءً على الشعب ذاته، وطعنة في قلب إرادته الحرة. ولن يجد المعتدون من هذا الشعب إلا الصمود المر والرد القاسي الذي يليق بمن يتجرأ على كرامة الأحرار.

فليس في قاموس هذا الشعب مكان للمساومة على الثوابت، ولا في وجدانه قبول لمنطق الانحناء للعواصف، بل هو الطود الشامخ الذي تتكسر عليه أوهام الطامعين، وتتبخر أمام صلابته أحلام الغزاة. فالتلاحم الجنوبي اليوم هو السور الذي يحمي الحاضر، والمنارة التي تضيء دروب المستقبل بكل ثبات ويقين وأمل.

وأضاف هذا هو الشعب الجنوبي لمن جهل قدره أو نسي خبره؛ شعب لا يقبل الضيم ولا يستسيغ المذلة، شعب وطني بامتياز، وجبار في الحق، ومقاتل لا يشق له غبار في سبيل السيادة والحرية.

فكل شبر من هذه الأرض الطاهرة يشهد أنه ما وهن ولا استكان، ولن يبرح ميادين الشرف حتى يرفرف علم الاستقلال فوق كل ذروة شامخة، معلنًا للعالم أجمع أن الحقوق لا تموت ما دام وراءها مطالب لا يرضى عن الحرية بديلاً، ولا يرتضي غير السيادة الكاملة سبيلاً. فليعلم الجميع أن إرادة الشعوب من إرادة الله، وأن الذي يحاول الوقوف في وجه الطوفان الجنوبي إنما يحاول محالًا، ولن يحصد إلا الخيبة والندم في صفحات الدهر التي لا ترحم.