أخبار وتقارير

إبراهيم الأهدل: الرئاسة ومعركة استعادة الدولة… تـكامل عُنصرَي الـشرعية والـقوة


       

قال إبراهيم الأهدل إن اليمن تمرّ اليوم بمرحلة مفصلية في تاريخها السياسي، بعد عقد كامل من التآكل الممنهج لهيبة الدولة، حيث تراجعت شرعية المؤسسات أمام استقواء الفصائل المسلحة، وتحولت الجغرافيا إلى ساحات نفوذ لا تحكمها قواعد الدولة ولا منطق القانون. وقد أثبتت تلك المرحلة أن النص الدستوري، مهما بلغت مشروعيته، يظل عاجزًا عن حماية الدولة ما لم يُسند بقوة منضبطة تحميه، فتتحول الشرعية من فكرة قانونية إلى واقع سيادي ملموس.

وأضاف أن وسط هذا المشهد المعقّد، برز دهاء القيادة السياسية، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، الذي أدرك مبكرًا خطورة شرعية بلا قوة، وخطر الإقامة داخل معادلة مختلّة تُحاط فيها الرئاسة بقوى تمتلك السلاح ولا تخضع لمنطق الدولة، ومن هذا الإدراك بدأ الإعداد بهدوء، وبنَفَس طويل، لبناء معادلة جديدة تمتلك فيها الدولة أدوات الفعل، لا رمزية الموقع فقط.

وأشار إلى أن قوات درع الوطن بوصفها الترجمة العملية لهذا التحول، هي قوة جرى إعدادها بعيدًا عن الضجيج والاستعراض، لا لتكون طرفًا في صراع، بل ذراعًا سياديًا للدولة، مهمتها فرض النظام واستعادة التوازن، وتمكّنت الدولة من بسط نفوذها واستعادة حضورها الميداني وترسيخ هيبتها بوصفها سلطة عامة، لا قوة تنافسية، ساعدها في ذلك الغطاء الاستراتيجي الذي وفرته المملكة العربية السعودية.

وتابع أن تسلم الأمير خالد بن سلمان شخصيًا زمام الملف اليمني يعكس جدية القيادة السعودية، ويدعم مباشرة جهود الشرعية اليمنية في توحيد مؤسسات الدولة، وتنسيق الدعم العسكري والاقتصادي، وفتح آفاق التعاون الإقليمي، كما أن هذا الحضور يعكس التزامًا عمليًا يترجم الدعم السياسي إلى قوة فعلية على الأرض، ويضخ ثقة إضافية في قدرة الدولة على فرض النظام واستعادة السيطرة وتحقيق الاستقرار بشكل مستدام.

وأوضح أن استعادة الدولة لا تُختزل في المسار الأمني وحده، فالتجربة اليمنية، كما تجارب الدول الخارجة من النزاعات، تؤكد أن الاستقرار الحقيقي يقوم على تكامل المسارين الأمني والاقتصادي؛ فالأمن يفرض النظام، والاقتصاد يخفف الاحتقان، وغياب أحدهما يُفرغ الآخر من مضمونه، ومن هنا تصبح إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وضبط الموارد، وتحسين الخدمات العامة، والوفاء بصرف المرتبات، وتوفير سبل العيش الكريم للشعب المنهك منذ سنوات، جزءًا أصيلًا من معركة استعادة الدولة، لا مسارًا ثانويًا مؤجلًا.

وأشار إلى أن التحديات أمام الدولة اليوم تشمل الحفاظ على شرعيتها من التآكل والسقوط، وعلى جغرافيتها من التشطير والانفصال، فلا دولة مع التجزئة، ولا شرعية مكتملة مع كيانات متنازعة، وإن بسط شرعية الدولة على كامل التراب الوطني يظل الهدف المركزي لأي مشروع استقرار.

وأضاف أن وحدة الدولة ليست غاية داخلية فحسب، بل مدخل حيوي لليمن نحو الاندماج الإقليمي والانضمام مستقبلاً إلى مجلس التعاون الخليجي، فالارتباط بالكيان الخليجي الكبير يوفر حماية سياسية وأمنية واستقرارًا اقتصاديًا، ويمنح الدولة اليمنية القدرة على تجاوز سنوات من الاضطراب والفوضى، ويقطع الطريق أمام تهديد وحدة الدولة واستقرارها، كما يتيح الوصول إلى فرص تنموية واستثمارية حقيقية.

وتابع أن بسط النظام العام، وتفعيل مؤسسات الدولة، واستعادة قدرتها على فرض القانون، سيحوّل المناطق المحررة من مساحة إدارة مؤقتة إلى نموذج دولة قابل للتعميم، نموذج يثبت أن الدولة حين تُدار بعقل مؤسسي، وتُضبط فيها القوة، وتُصان فيها الحقوق، وتوفر فيها الخدمات، تصبح مشروعًا جاذبًا، لا سلطة مفروضة بالقهر، ومن هذا النموذج ستتقدم معركة الاستعادة نحو بقية أجزاء الوطن المستلبة، وصولًا إلى العاصمة صنعاء بوصفها استحقاق الدولة السيادي ورمز اكتمال شرعيتها.

وأوضح أن المرحلة الراهنة لا تحتمل حكومات عاجزة أو محاصصات منهِكة، بل تتطلب حكومة تكنوقراط فاعلة، قادرة على تحويل الاستقرار الأمني إلى تحسّن اقتصادي ومعيشي يلمسه المواطن يوميًا، ورغم تعيين الدكتور شايع الزنداني لتشكيل الحكومة الجديدة، فلا ينبغي أن تُحجب الفرصة عن شرفاء الوطن وأصحاب الكفاءات المتميزة في خدمة الدولة، مع مراعاة التمثيل العادل لكل الجغرافيا اليمنية.

وأشار إلى أن بناء الدولة لا يكتمل إلا بتفعيل نشاط مجلس النواب بوصفه السلطة التشريعية الفاعلة والأداة الرقابية العليا على الحكومة والسلطة التنفيذية، فلا يكون مجرد ديكور سياسي أو هيئة غائبة، بل يجب أن تكون قوة حقيقية تفرض الشفافية والمساءلة وتمنع الانحراف واستغلال السلطة.

وقال في المحصلة إن معركة استعادة الدولة لا تُقاس بامتداد النفوذ وحده، بل بقدرتها على أن تُنصف مواطنيها، وتؤمّنهم، وتوفّر لهم سبل العيش الكريم، وتُعيد إليهم ما سُرق من أعمارهم في سنوات الشقاء والتيه والانتظار، فالدولة المنشودة ليست دولة غلبة أو إقصاء، بل دولة تسع الجميع، دولة تُعيد الاعتبار للإنسان قبل الجغرافيا، وللمواطنة قبل السلاح، وتغلق صفحة اللادولة بكل مآسيها.

وأضاف ختامًا أن القيادة التي تنجح في الجمع بين قوة الشرعية وشرعية القوة، وتفرض هيبتها وفق القانون والدستور، هي وحدها القادرة على نقل اليمنيين من ضيق المعاناة والألم إلى أُفُق ورحابة الوطن المستعاد تحت مظلة ومنهجية حكم الدولة.