أخبار وتقارير

القاضي أنيس جمعان: الوطن يستحق الحياة قبل أن يطلب التضحية


       

قال القاضي أنيس صالح جمعان في مقاله بعنوان «الوطن: بين استحقاق الحياة وضريبة الدم»: «أيُّ وطنٍ هذا الذي يُطالب أبناءه بالموت قبل أن يمنحهم الحياة؟»،  «إنّ الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية نُدفن في ثراها، بل هو الفضاء الذي نمارس فيه إنسانيتنا ونعيش فيه بكرامة».

وأوضح: «من المنظور الفطري والقانوني السويّ، ليس من المنطق أن يُطالب الإنسان بالدفاع عن كيانٍ لا يضمن له الحد الأدنى من مقومات الوجود؛ فلا جداراً يؤويه، ولا وظيفة تصون كرامته، ولا أمناً يطمئن به على عائلته».

وأشار إلى أن «الوطن في جوهره ليس صرخة حماسية عابرة، بل هو منظومة حياة متكاملة تقوم على تبادلية الحقوق والواجبات، وهو قبل كل شيء عقد اجتماعي عادل يوازن بين الواجب الوطني وحق الإنسان في العيش الكريم. وحين تغيب العدالة، تسقط بالتبعية شرعية التضحية».

وتابع القاضي جمعان: «المفارقة الموجعة التي تتكرر في كل أزمة هي أن يُنادى الفقراء والبسطاء في زمن المحنة للوقوف في الصفوف الأمامية، بينما في زمن السلام تُغلق الأبواب وتُقسَم الامتيازات والمغانم على من يحملون الألقاب لا الجراح».

وأضاف: «الأوطان لا تخسر بمعداتها العسكرية بقدر ما تُستنزف معنوياً حين تُدفن أحلام شعوبها تحت أنقاض الظلم الاجتماعي، وحين يُختزل الوطن في سلطة بدلاً من استثماره في الإنسان».

وأكد أن «الوطن الذي يستحق أن نُفديه بالروح هو الذي يبني البيوت قبل أن يحفر الخنادق، ويؤمّن فرص العمل قبل أن يطالب بالأرواح، ويحمي الأطفال بسلطان القانون والعدل قبل أن يطلب دماء آبائهم».

وأضاف: «الانتماء الحقيقي ليس نشيداً نردده في مواسم الخطر، بل إحساس عميق بالشراكة؛ حين يشعر المواطن أن الوطن ينتمي إليه بالقدر الذي ينتمي هو فيه للوطن».

وختم بالقول: «إنّ الوطن في ميزان المنطق والعدل، هو الذي يمنح أسباب الحياة أولاً، لا الذي يتذرع بالانتماء لتبرير الموت. ولن يكون الوطن مستحقاً للتضحية ما لم يكن عادلاً مع أبنائه؛ فغاية الانتماء الأسمى ليست في أن نموت لأجل الوطن، بل في أن نجد وطناً يستحق أن نعيش فيه بكرامة وإنصاف».