أخبار وتقارير

الشجيفي: الجنوب في مواجهة الفيدرالية.. مشروع تفتيت بعباءة الحل الجذري


       

قال الكاتب حافظ الشجيفي، أن يستقر في روع المتأمل لطبائع الأمور وحقائق التاريخ أن الحق لا يحتاج إلى حيلة ليعلن عن نفسه، وأن الحرية لا تلتمس من أبواب الخديعة ولا تأتي عبر الطرق الملتوية، بل هي شمس تشرق من أفق التضحيات لتنير دروب الشعوب المستقلة بقرارها والواضحة في غاياتها.

وتابع: فما نراه اليوم من لغط سياسي وجدل بيزنطي يتصاعد بين النخب الجنوبية حول مستقبل الحكم في الجنوب يمثل في جوهره طعنة نافذة في خاصرة المنطق السياسي السليم وازدواجية مقيتة في المعايير تخفي خلفها تفتيتا للروح قبل الأرض وتمزيقا للوحدة الاجتماعية والسياسية والثقافية قبل الجغرافيا، إذ تطرح الفيدرالية كخيار سواء في سياق العلاقة مع الشمال أو كنظام داخلي للدولة الجنوبية المستقلة المنشودة.

وأشار إلى أن التناقض الصارخ في تبني هذه النخب للفيدرالية في الحالتين يثير تساؤلات منطقية عميقة حول حقيقة دوافعهم ونتائج هذا النظام على وحدة الجنوب واستقلاله المنشود، وأضاف: إن تحليل هذا التناقض يقود بالضرورة إلى استنتاج يؤكد أن الفيدرالية بالنسبة للجنوب هي مشروع للتفكيك والتقسيم الداخلي أكثر منها خطوة نحو التوحيد أو الاستقلال الكامل.

قال: وتتبع بعض النخب الجنوبية حجة أن استقلال الجنوب الكامل عن الشمال لن يتحقق إلا عبر بوابة الفيدرالية معه، باعتبارها حسب زعمهم الخطوة التمهيدية ما قبل الأخيرة التي لا بد منها للوصول إلى الانفصال النهائي عن الشمال.

وأوضح: ووفقا لهذا المنطق فإن الفيدرالية مع الشمال تمثل جسر عبور إجباري للجنوب نحو الاستقلال، وأنها ستمنحه الأدوات اللازمة لفك ارتباطه بالشمال تدريجيا، وكأن الاستقلال منحة تؤخذ بالتقسيط أو حق يُستجدى عبر إطالة أمد الارتباط باليمن وتكريس هيمنته على الجنوب في قوالب دستورية جديدة توفر للخصم فرصة المناورة والمساومة بورقة الجنوب في أسواق النخاسة السياسية الدولية بدلا من الانقضاض المباشر على لحظة التحرير التي صنعتها دماء الشهداء طيلة ثلاثة عقود من النضال المرير.

وأشار: والمفارقة المذهلة هنا تكمن في أن هذه النخب ذاتها تتبنى في الوقت نفسه مشروع الفيدرالية كنظام حكم داخلي في ظل دولة الجنوب المستقلة من خلال إقليم شرقي يضم حضرموت والمحافظات المجاورة لها، وإقليم غربي يضم عدن والمحافظات القريبة منها، حيث يصبح التناقض المنطقي هنا صارخا إذ يقرون ضمنيا بأن الفيدرالية بين الشمال والجنوب هي خطوة نحو الانفصال، لكنهم في الوقت ذاته يغضون الطرف عن أن ما ينطبق على العلاقة بين الشمال والجنوب ينطبق حتما على العلاقة بين أقاليم الجنوب المستقلة.

تابع: والتبرير الذي تستخدمه هذه النخب لوصف الفيدرالية مع الشمال بأنها الخطوة التمهيدية ما قبل الأخيرة لاستقلال الجنوب هو ذاته الذي يؤكد أن الفيدرالية بين أقاليم الجنوب المستقلة هي في حقيقتها الخطوة التمهيدية الأخيرة على طريق انفصال هذه الأقاليم الجنوبية عن بعضها البعض لاحقا.

وأضاف: فإذا كانت الفيدرالية بحد ذاتها تحمل بذور التفكك والانفصال عن المركز الأكبر المتمثل في الشمال، فمن المنطقي والطبيعي أن تحمل ذات البذور للانفصال عن المركز الأصغر المتمثل في عدن في ظل الدولة الجنوبية المستقلة.

وأشار: وعليه فلا يسع المرء إلا أن يوجه سؤاله المنطقي والدامغ لتلك النخب، كيف يمكن للنظام الفيدرالي أن يؤدي إلى استقلال الجنوب عن الشمال ولا يؤدي بالضرورة إلى استقلال إقليم حضرموت عن إقليم عدن في حال تطبيقه في دولة الجنوب المستقلة.

قال: هذا التناقض الفكري والتطبيقي يكشف إما عن سذاجة في فهم طبيعة النظام الفيدرالي ونتائجه، أو وهو الأخطر، يكشف عن أجندات خفية تهدف إلى إعادة تفكيك الدولة الجنوبية داخليا تحت غطاء الفيدرالية.

وأوضح: وبينما ناضل الجنوبيون لثلاثة عقود قدموا خلالها أعظم التضحيات في سبيل استعادة دولتهم، فإن إقليم حضرموت سوف ينفصل عن إقليم عدن بكل سهولة ويسر ودون نضالات أو تضحيات، مع فارق أن الجنوب كانت دولة مستقلة قبل احتلالها من قوى الشمال فيما كانت حضرموت جزءا لا يتجزأ منها على مدى تاريخها السياسي والثقافي والاجتماعي.

تابع: وبالنظر إلى كل هذه التضحيات والانتصارات التي أدت إلى تحرير الجنوب من الاحتلال اليمني، نطرح التساؤل الثاني لهذه النخب: لماذا لا يمكن للجنوب أن يعلن استقلاله الكامل والمباشر والفوري عن الشمال بعد ثلاثة عقود من النضال والتضحيات إلا عن طريق الفيدرالية معه، في حين لا يوجد أي مبرر منطقي أو قانوني أو سياسي لتأخير إعلان الاستقلال الفوري والمباشر؟

وأضاف: فالفيدرالية مع الشمال في هذا التوقيت هي في حقيقتها إعادة إنتاج للاحتلال اليمني بشكل آخر، وتأجيل غير مبرر للهدف النهائي، وتمكين لمراكز القوى الشمالية من إبقاء ورقة الجنوب كورقة مساومة.

وأشار: إن النتيجة الحتمية والمنطقية والبديهية لتطبيق النظام الفيدرالي سواء مع الشمال أو داخليا في دولة الجنوب المستقلة القادمة، هي أنه نظام لتفكيك الجنوب وليس لتوحيده.

قال: فقد ثبت تاريخيا أن الفيدرالية في سياق الدول الهشة تمثل خطوة أولى نحو الانفصال، وما ينطبق على الجنوب والشمال ينطبق تماما على الجنوب بأقاليمه المختلفة، لذلك فإن الفيدرالية هي وصفة للانفصال الداخلي وتفكيك الدولة الجنوبية وتبديد لثمار ثلاثة عقود من النضال.

وأوضح: كما أنه كلنا نعلم بأن هناك مشروع فيدرالي تتبناه قوى دولية تحاول أن تفرضه في اليمن عنوة على اعتبار أنه الحل الجذري للأزمات والمشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية التي تفتعلها عن طريق بعض الأطراف المحلية والإقليمية في البلاد، لتنفيذ هذا المشروع، أو لكي يتسنى لها تقديمه للشعب على أساس أنه الحل الجذري لتلك المشاكل والأزمات المفتعلة.

أضاف: لكن ماذا يعني تقسيم الجنوب إلى إقليمين والشمال إلى أربعة أقاليم فيدرالية، حيث يمثل هذا المخطط خطوة ما قبل الأخيرة نحو تقسيم اليمن إلى ست دول مستقلة؟

وأشار: إذ إنه بعد تطبيق مشروع الفيدرالية سيطالب كل إقليم من هذه الأقاليم الستة بالانفصال كدولة مستقلة لأسباب ومبررات سيتم افتعالها وتوفيرها في حينه بالاستناد إلى نصوص القانون الدولي التي تضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها، وبالتالي سوف يتحول اليمن إلى ست دول صغيرة. قال: وهذا هو الهدف النهائي الذي تسعى إليه تلك القوى عبر مشروع الفيدرالية الذي تتبناه اليوم.

وأوضح: وعلى سبيل المثال، ففي حالة تطبيق هذا السيناريو في الجنوب، فلن يكون مسموحا للعدني أو اللحجي أو الضالعي بأن يذهب إلى دولة حضرموت المستقلة إلا بفيزة مسبقة، والعكس صحيح أيضا، وينطبق على باقي الدول الخمس المستقلة.

وأضاف: ما يعني أن مشروع الفيدرالية الذي تتبناه تلك القوى وتروج له عبارة عن فخ كبير للشعب الجنوبي، ويشكل تهديدا على تماسكه ووحدته.

وأشار: علاوة على ذلك، فإن النظام الفيدرالي هو نظام لا يصلح إلا في الدول والشعوب التي تعاني من انقسامات أو نزعات عرقية أو مذهبية أو ثقافية حادة، وهذا لا ينطبق على الجنوب العربي الذي لا يعاني من أي انقسامات اجتماعية أو سياسية أو دينية أو عرقية أو ثقافية، بينما قد يناسب إلى حد ما وتحت ضغوط الشمال الذي يعاني من اختلافات مذهبية ودينية واجتماعية.

وتابع: وفي النهاية، فإن تحقيق الانفصال بين الشمال والجنوب يمثل الخيار الأكثر واقعية الذي يحافظ على أكبر قدر من الوحدة بدلا من الفيدرالية التي ستؤدي بلا شك إلى تقسيم اليمن إلى ست دول مستقلة ومتناحرة على الحدود والموارد.