السعودية والرهان الصعب: خارطة طريق لإنقاذ اليمن وإعادة بناء الدولة من بوابة الاقتصاد (تقرير)
تقرير عين عدن – خاص:
دعم السعودية لرواتب اليمن ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل ركيزة أساسية في مشروع متكامل لإعادة بناء الدولة، وتعزيز الاستقرار، وتهيئة الأرضية لحل سياسي مستدام، يؤكد مجددًا أن المملكة لا تزال اللاعب الأهم في معادلة السلام اليمني.
3 مليارات دولار.. دعم سعودي مباشر لرواتب اليمن وتعزيز الاستقرار
في خطوة وُصفت بأنها مفصلية في مسار الأزمة اليمنية، برز التحرك السعودي الداعم لرواتب القوات اليمنية والموظفين الحكوميين كأحد أهم أدوات تعزيز الاستقرار الاقتصادي والأمني فقد خصصت المملكة العربية السعودية ما يقارب 3 مليارات دولار لدعم رواتب اليمن، في إطار رؤية شاملة تهدف إلى إنقاذ مؤسسات الدولة من الانهيار، وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وإعادة ضبط المشهدين الأمني والاقتصادي.
ويرى محللون أن هذا الدعم لا يقتصر على كونه إجراءً ماليًا، بل يمثل ركيزة أساسية في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وقطع الطريق أمام اقتصاد الحرب الذي تمدد خلال سنوات الصراع.
تحرك سعودي متزايد لدعم اليمن ماليًا وسياسيًا
يشهد الدور السعودي في اليمن تصاعدًا ملحوظًا، سواء على الصعيد المالي أو السياسي، في محاولة جادة لإعادة ترتيب المشهد اليمني المعقد. وتأتي هذه التحركات في وقت ما تزال فيه البلاد تواجه تحديات كبيرة، تشمل الانقسام السياسي، وتعدد الفصائل المسلحة، والانهيار الاقتصادي.
ويؤكد مراقبون أن الرياض باتت تتعامل مع الملف اليمني باعتباره أولوية استراتيجية، لا يمكن تركها للمقاربات المؤقتة، بل تحتاج إلى حلول جذرية طويلة الأمد، تبدأ بدعم مؤسسات الدولة وتمكينها من أداء وظائفها الأساسية، وفي مقدمتها دفع الرواتب.
رواتب القوات والموظفين.. دعم لمؤسسات الدولة لا للفوضى
يُنظر إلى تغطية رواتب القوات اليمنية والموظفين الحكوميين على أنها خطوة محورية لإعادة تنظيم المشهد الأمني، إذ تسهم في دمج التشكيلات المسلحة تحت مظلة الدولة، وتقليص نفوذ الجماعات الخارجة عن الإطار الرسمي.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة «رويترز» عن وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني قوله إن السعودية أبدت استعدادها لدفع الرواتب بالكامل، موضحًا أن هذا الدعم من شأنه أن يساعد الحكومة اليمنية على إعادة هيكلة التشكيلات المسلحة وإخضاعها لسلطة الدولة، بما يعزز فرص الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات الأمني.
نموذج ناجح في مناطق الحكومة الشرعية
تسعى الرياض إلى تحقيق نموذج ناجح في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، في مواجهة العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين. ويركز هذا النموذج على دعم مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وبناء جهاز أمني وعسكري موحد، بما يعزز من شرعية الحكومة على الأرض.
ويرى محللون أن نجاح هذا النموذج سيشكل ورقة ضغط قوية في أي مسار تفاوضي قادم، وسيعزز القناعة بأن الدولة قادرة على توفير الاستقرار والخدمات، مقارنة بنموذج المليشيا.
حوافز مالية وسياسية لتوحيد الصفوف
تلعب الحوافز المالية والسياسية دورًا مهمًا في توحيد الصفوف داخل المعسكر المناهض للحوثيين، إذ تسهم في تقليص الخلافات الداخلية، ورفع جاهزية القوات الحكومية، سواء للمفاوضات أو لأي تطورات ميدانية محتملة.
وأشار التقرير إلى أن السعودية عرضت أيضًا حوافز سياسية على بعض الأطراف، مع إمكانية بحث ترتيبات مستقبلية لما بعد انتهاء الصراع، ضمن رؤية أوسع تهدف إلى معالجة جذور الأزمة، وليس فقط مظاهرها.
الدور الإقليمي للسعودية وأولوية استقرار اليمن
بعد سنوات ركزت فيها المملكة على برامجها التنموية الداخلية، عاد الملف اليمني ليحتل موقعًا متقدمًا في أولويات السياسة السعودية. ويؤكد خبراء أن استقرار اليمن يمثل أولوية استراتيجية للرياض، خاصة في ظل الحدود المشتركة التي تمتد لنحو 1800 كيلومتر، وما يفرضه ذلك من اعتبارات أمنية واقتصادية.
وفي هذا السياق، قالت الباحثة ياسمين فاروق من مجموعة الأزمات الدولية إن السعودية ستعطي أولوية لتخصيص الموارد لليمن، معتبرة أن الرياض "أصبحت الآن المالك الوحيد لهذه المشكلة"، في إشارة إلى حجم المسؤولية التي تتحملها المملكة في إدارة الملف اليمني.
تفكيك اقتصاد الحرب.. خطوة أولى نحو التعافي
يتفق محللون على أن تفكيك ما يُعرف بـ"اقتصاد الحرب" الذي ترسخ خلال عقد من الصراع سيستغرق سنوات، إلا أن دعم الرواتب والمشاريع التنموية يمثل خطوة أولى نحو إعادة التوازن الاقتصادي والاجتماعي.
ويؤكدون أن التحرك السعودي يعكس توجهًا واضحًا نحو الاستثمار في استقرار اليمن على المدى الطويل، عبر دعم مؤسسات الدولة، وتوحيد القوى السياسية والعسكرية، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للتوصل إلى حل سياسي شامل.
تحديات كبيرة وإرادة مستمرة
رغم ضخامة التحديات، حيث تحاول المملكة جمع جماعات مسلحة وقبائل متنازعة، ودعم دولة أنهكها الصراع، في ظل هدنة هشة مع الحوثيين وضغوط على الميزانية السعودية، يرى محللون أن الرياض تمضي بخطى محسوبة نحو تحقيق هدفها الاستراتيجي.
وتسعى المملكة إلى تحقيق قصة نجاح في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، بما يزيد الضغط على الحوثيين المدعومين من إيران للانخراط في مفاوضات جادة، وفي الوقت نفسه تعزيز قدرات الحكومة تحسبًا لأي تصعيد.
نحو قائد واحد للسفينة
ويرى محللون أن وجود "قائد واحد للسفينة بدلًا من عدة قادة" قد يقلل من احتمالات غرقها، في إشارة إلى مساعي السعودية لتوحيد الفصائل الجنوبية ضمن هيكل عسكري واحد، وطرح فكرة استفتاء يحدد مصير الجنوب بعد حل الصراع.
وبينما يتساءل البعض عن قدرة الرياض على الاستمرار في شراء الاستقرار، يؤكد داعمو هذا التوجه أن ما تقوم به المملكة ليس شراءً للولاء، بل استثمارًا استراتيجيًا في أمن المنطقة واستقرارها، تبدأ نتائجه من اليمن، ولا تنتهي عند حدوده.