"القاسمي": رسـالة مفـتوحة في شأن إعـادة بناء أولويـات التعـليم الوطـني (الأساسي والعالي والمهني)
الأخوة وزير التربية والتعليم ووزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير التعليم الفني والتدريب المهني.
قال د. هاني بن محمد القاسمي، إنّه في أزمنة التحوّلات الكبرى التي تعيشها الأمم، لا تُقاس قوة الدول بما تملكه من موارد آنية، بل بما تُؤسِّسُه من وعيٍ مُستدام في عقول أبنائها.
أضاف إن التحديات الراهنة، على قسوتها، تمنحنا فرصة نادرة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع التعليم في قلب المشروع الوطني، بوصفه الركيزة التي يُبنى عليها الاستقرار، وتُصاغ عبرَها ملامح المستقبل، وتُستعاد بها قدرة المجتمع على النهوض من جديد، لا بوصفه قطاعًا خدميًا، بل باعتباره مشروعَ الدولة الأكبر.
أشار إلى أن إعادة النظر في منظومة التعليم الأساسي والعالي، وربطها بالبحث العلمي والتدريب المهني، لم يعد مطلبًا إصلاحيًا، بل ضرورةً وجوديةً؛ فالعالم من حولنا لم يعد يعترف بالمعرفة الساكنة، ولا بالشهادات التي لا تُترجَم إلى مهارات، ولا بالمناهج التي تُعيد إنتاج الماضي دون أن تمنح الطالب أدوات فهم الحاضر واستشراف المستقبل.
أوضح أن شكل الاقتصاد قد تغيّر، وتبدّلت طبيعة الوظائف، وظهرت مجالات لم تكن معروفة قبل عقدٍ واحد مثل الاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والطاقة المتجددة، والصناعات الإبداعية، والتقنيات التطبيقية، وهذه التحولات لا تنتظر أن نلحق بها، بل تتجاوز من لا يستعد لها.
شدد على أن تحديث البرامج التعليمية لم يعد خيارًا تربويًا، بل قرارًا استراتيجيًا يتعلق بمكانة الوطن في خارطة العالم القادمة.
لفت إلى أن التعليم الأساسي هو المرحلة التي تُبنى فيها شخصية الإنسان القادر على التفكير لا الحفظ، وعلى الفهم لا التلقين، وأن كل إصلاح لا يبدأ من هذه المرحلة يظل إصلاحًا شكليًا.
نبه إلى أن الطالب الذي يتعلّم كيف يسأل، وكيف يحلّل، وكيف يعمل ضمن فريق، هو نفسه الذي سينجح لاحقًا في الجامعة، وفي سوق العمل، وفي حمل مسؤولية الدولة.
أردف أن التعليم العالي ينبغي أن يتحوّل من فضاءٍ لمنح الشهادات إلى بيئةٍ لإنتاج المعرفة؛ فالجامعة الحديثة لم تعد مكانًا لتكرار الكتب، بل مختبرًا للأفكار، وحاضنةً للابتكار، وشريكًا مباشرًا في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ولا يمكن أن يتحقق ذلك دون ربط التخصصات الجامعية بحاجات المجتمع الفعلية، وإعادة تصميم البرامج بما يُوازن بين التأصيل العلمي والتطبيق العملي.
تابع أن التدريب المهني يُكمِل هذه المنظومة، بوصفه الجسر الحقيقي بين التعليم وسوق العمل، فالأمم التي احترمت المهن، ورفعت من قيمة التعليم التقني، استطاعت أن تبني اقتصادًا متماسكًا لا يعتمد على الوظيفة الحكومية وحدها، بل على الإنتاج، والمهارة، وروح المبادرة.
أكد أن إعادة الاعتبار إلى التدريب المهني هي في حقيقتها إعادة اعتبار للعمل نفسه، بوصفه قيمةً إنسانية وحضارية.
أضاف أن المطلوب اليوم ليس إلغاء البرامج التقليدية، بل تطويرها وتطعيمها ببرامج معاصرة تُحاكي العصر، وتُدخل مهارات التفكير الرقمي، واللغات، والتقنية، وريادة الأعمال، والبحث التطبيقي، في البناء المعرفي للطالب.
بيّن أن التعليم الذي لا يتجدّد يتقادم، والتعليم الذي لا يتفاعل مع زمنه يعجز عن إعداد إنسانٍ قادرٍ على العيش فيه.
أشار إلى أن عالمنا المعاصر لا يبحث عن حافظي نصوص، بل عن عقولٍ قادرة على قراءة شفرات العصر، وفهم تحوّلاته، والمشاركة في صُنعها؛ وهذا الجيل لا يمكن أن يتكوّن مصادفةً، بل يُبنى عبر رؤية تعليمية شاملة، تبدأ من المدرسة، وتتعمّق في الجامعة، وتتجذّر في مراكز البحث، وتتجلّى في مؤسسات التدريب.
شدد على أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الوحيد الذي لا يخسر، لأنه يصنع الإنسان، والإنسان هو رأس المال الحقيقي لأي وطن يسعى للنهوض.
أوضح أن المرحلة الراهنة تمنحنا فرصة تاريخية لإعادة التأسيس، لا لمجرد الإصلاح، وبناء منظومة تعليمية تُخرِج أجيالًا لا تكتفي بالتكيّف مع العالم، بل تمتلك القدرة على الإسهام فيه.
اختتم بالتأكيد أن التعليم ليس ملفًا إداريًا، بل قضية وطن، ومشروع نهضة، وعقدٌ أخلاقي بين الدولة وأجيالها القادمة.
وقال إننا إذ نرفع هذه الرؤية إلى وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني، فإنما نخاطب قياداتٍ جاءت من رحم المؤسسة الأكاديمية، وتُدرك بحكم الخبرة والمعايشة أن الاستثمار الجاد في التعليم ليس شعارًا نظريًا، بل مشروعٌ حضاريٌّ طويل الأمد، يُثمر كوادر علمية ومهنية قادرة على العمل والإبداع، وعلى إزالة الغبار عن موقع الوطن في خارطة دول العالم المعاصر، وإعادته إلى المكان الذي يستحقه بين الأمم الحية.