أخبار وتقارير

كاتب سياسي: من يحرس قوت المواطن وسط تقلبات الأسعار؟


       

قال الكاتب السياسي، د. هـاني بن محمد القاسمي: ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يشعر بأن لقمة عيشه أصبحت رهينة لاضطراب لا يملك حياله دفعًا، ولا يجد له تفسيرًا، ولا يرى له نهاية.

وأضاف القاسمي: القوت ليس تفصيلًا اقتصاديًّا عابرًا، بل هو أساس الاستقرار الاجتماعي، وعمود الكرامة الإنسانية، والمعيار الحقيقي لنجاح أي مرحلة تُوصف بالتعافي.

وتابع: لقد مضى نصف عام على الحديث المتكرر عن تحسّن الأوضاع، وتداول الناس مصطلحات من قبيل التعافي والانفراج واستعادة النشاط الاقتصادي، غير أنّ الأسواق ظلّت تروي حكايةً أخرى؛ حكاية لا تُقرأ في البيانات، بل تُلمس في فواتير الغذاء، وتُقاس بقدرة الأسر على توفير احتياجاتها الأساسية.

وأشار إلى أنّ الأسعار ما تزال حيث كانت، بل إنّ ما يُعلن أحيانًا عن انخفاضها لا يتجاوز كونه حركات شكلية، سرعان ما تتلاشى، حتى غدا ذلك الانخفاض أقرب إلى محاولة تهدئة نفسية للناس، لا معالجة حقيقية لاختلال السوق.

وقال: إنّ التعافي الاقتصادي لا يُقاس بما يُكتَب في التقارير، بل بما يشعر به المواطن حين يقف أمام بائع الحبوب أو الخضار أو الدواء.

وأضاف: فـ إذا ظل دخله ثابتًا، وأسعار حاجاته الأساسية متصاعدة، فإن الحديث عن التعافي يصبح مجرد خطاب لا يلامس الواقع، بل قد يتحوّل إلى عبء نفسي يُفاقم شعور الناس بالتجاهل.

وتابع: السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم ليس: لماذا ترتفع الأسعار؟ بل: من يحرس قوت المواطن؟

وأشار القاسمي إلى أنّ السوق، بطبيعته، لا ينضبط وحده في البيئات الهشّة، والتاجر ليس مسؤولًا منفردًا عن تحقيق التوازن، كما أنّ المستهلك هو الحلقة الأضعف التي لا تملك أدوات الحماية.

وقال: ومن هنا تنشأ الحاجة إلى دور رقابي عادل، لا يتدخل لقمع النشاط الاقتصادي، بل لضمان ألا يتحوّل هذا النشاط إلى فوضى تُرهق المجتمع وتُفقده أبسط حقوقه، فحراسة القوت ليست شعارًا أخلاقيًا، بل وظيفة سيادية تتصل بالأمن المجتمعي.

وأضاف: فـ الأمن الغذائي ليس أقل شأنًا من الأمن العام؛ إذ لا يمكن لمجتمع أن يشعر بالطمأنينة وموائده مهددة، ولا يمكن لأي مشروع بناء أن ينجح إذا كان المواطن منشغلًا يوميًّا بمعركة البقاء.

وتابع: الناس لا يطلبون معجزات، بل يطلبون وضوحًا في السياسات، وعدالة في الرقابة، وصدقًا في توصيف الواقع، وإجراءات تُشعرهم بأن هناك من يحمي توازن السوق كما يحمي استقرار الوطن.

وأشار إلى أنّ الدولة القوية لا تُعرف بوفرة قراراتها، بل بقدرتها على صون حياة الناس من الاستنزاف الصامت.

وقال القاسمي: وحين يُترك المواطن وحيدًا أمام تقلب الأسعار، فإن ذلك لا يضعف قدرته الشرائية فحسب، بل يُضعف ثقته في فكرة التعافي ذاتها؛ أما حين يشعر بأن قوته مصان، وأن هناك عينًا ساهرة على أمنه الغذائي، فذلك هو التعافي الحقيقي الذي لا يحتاج إلى إعلان.

وختم القاسمي قائلاً: التاريخ يعلمنا أن الأوطان تُبنى حين تُحمى لقمة العيش قبل كل شيء، وأن السؤال الذي يجب أن يُجاب عنه اليوم، بعمل لا بقول، هو:
"من يقف حارسًا على قوت المواطن، حتى لا تتحوّل الحياة إلى عبء يومي لا يُحتمل؟"