أدب وثقافة

معرض عراقي في أبو ظبي… إرث جماعة بغداد للفن الحديث من غير ورثة


       

 

مبدئيا يمكن قراءة التاريخ الفني من جديد حسبما يستجد من وثائق لم تكن في السابق قد أميط عنها اللثام. ذلك حق أشبه بالواجب. غير أن ذلك الحق يميل بأصحابه أحيانا إلى خلق تاريخ مجاور، يستجيب في حقيقته إلى أوهام، ينفيها الواقع.
تأسست جماعة بغداد للفن الحديث عام 1951 بزعامة الفنان الرائد جواد سليم، وأقامت الجماعة معرضها الأول الذي كتب بيانه الأول الفنان شاكر حسن آل سعيد، وبعد سنتين أقامت معرضها الثاني، وكتب بيان ذلك المعرض الشاعر والناقد والروائي جبرا إبراهيم جبرا وكان رساما في حينه.
بعد موت جواد سليم عام 1961 اندثرت تلك الجماعة الفنية. وفي خضم ما شهدته ستينيات القرن العشرين من تحولات فنية، غلب عليها طابع النزوع إلى العالمية، تم نسيان جواد سليم وأفكار جماعته حول الهوية الوطنية للفن. كل الذين قلدوا جواد سليم في أسلوبه تحولوا إلى رسامين فلكلوريين، ولم يكن لهم مكان في المشهد الفني الذي كان عبارة عن حلقة سباق تضم فنانين، نجحوا في نقل تأثيرات الفن، كما تعلموه في الدول الأوروبية، التي درسوا فيها. كانت ستينيات الفن الحديث في العراق مختبرا عالميا.
انقطعت صلة الفنانين العراقيين بجواد سليم وأفكاره. ولكن ما مناسبة كل تلك الذكريات؟ المناسبة تكمن في معرض أقيم في قاعة عرض تابعة لجامعة نيويورك/ فرع أبو ظبي، ولا يزال مستمرا. عنوان ذلك المعرض هو «شتى التجارب/ إرث جماعة بغداد». وهو عنوان يوحي بالكثير من المعاني الحسنة، لو لم يلجأ منسقو المعرض إلى بث روح الفوضى فيه، من خلال خلط الأوراق فتداخلت الأساليب والمراحل الفنية والتجارب، التي لا يشبه بعضها البعض الآخر، وبدا العرض انتقائيا كما لو أن منسقيه يكشفون من خلاله عن رغبتهم في كتابة جديدة لتاريخ الفن الحديث في العراق. لا أقول ذلك بسبب أن معظم المشاركين فيه لا علاقة لهم بجماعة بغداد، فكرا وأسلوبا ورؤية فحسب، بل أيضا لأنه تمت عملية حذف وإقصاء ممنهجة لفنانين كان لهم حضورهم في مرحلة ما بعد جماعة بغداد، إذا كان القصد من المعرض يكمن في التأكيد على استمرارية روح الحداثة الفنية، التي أطلقتها جماعة بغداد مثل رافع الناصري ومحمد علي شاكر وإسماعيل الشيخلي ونوري الراوي ومحمد مهر الدين وسالم الدباغ وفيصل لعيبي وجبر علوان وفائق حسين ويوسف الناصر ويحيى الشيخ ومظهر أحمد وهاني مظهر ومدحت كاكي وعامر العبيدي ومحمد السعدون وعلاء بشير وقاسم الساعدي وكاظم حيدر وعشرات آخرين.

 

جواد سليم

مَن لا يعرف شيئا عن تاريخ الفن في العراق كالجامعات الأمريكية مثلا، لا بد أن يقع ضحية لعنوان يبدو بريئا وهو «إرث جماعة بغداد» مقتنعا بأن المعرض الحالي هو مبادرة لإحياء الفكر الفني، الذي طرحته الجماعة وكان البحث عن هوية وطنية للصنيع الفني محوره. ولكن تفكيك ذلك العنوان مقارنة بمحتواه سيقودنا إلى المتاهة التي رسمها منسقوه في محاولة منهم لنسف التاريخ الفني، وإحلال تاريخ فني غير صحيح محله. تلك المحاولة ليست قراءة جديدة لتاريخ الفن الحديث في العراق، بل هي تكريس لمبدأ وصاية تتخطى حاضره إلى ماضيه.

ليس من الصواب التشكيك بنوايا منسقة المعرض ندى شبوط، فقد يكون المعرض مجرد اجتهاد للأكاديمية، التي لم تُصدر سوى كتاب واحد عن تاريخ الفن هو اطروحتها للدكتوراه، ولكن الأمر يتخطى النوايا حين يلاحظ المرء العشوائية التي تمت من خلالها عملية اختيار الفنانين، بطريقة لا تمت بصلة إلى المنهج الأكاديمي، بحيث أُلحقت تجربة رسام رائد مثل فائق حسن (1914 ــ 1992) بتراث جماعة بغداد، وهو الذي أسس جماعة فنية سبقت جماعة بغداد هي جماعة الرواد، وكان قد سبق بحضوره جواد سليم في المشهد الفني. ذلك خطأ غير مقبول ولكنه يضيع في خضم فوضى تبدو كما لو أنها مقصودة من أجل تكريس حضور فنانين بعينهم باعتبارهم ورثة الحقيقة الفنية في العراق. وهو ما يمكن أن يلقي بظلال كئيبة على مستقبل الفن التشكيلي في بلد، تراجعت فيه الفنون بشكل خاص والثقافة بشكل عام. كنت أتمنى لو حمل المعرض عنوان «تجارب من الفن الحديث في العراق»، ولكن عنوانه الحالي ينطوي على الكثير من الشبهات المريبة، وفي مقدمتها شبهة انتحال التعامل مع التاريخ الفني عن طريق التصفيات.
وإذا ما كانت شبوط قد تمكنت من إقناع إحدى الجامعات الأمريكية بتبني المعرض المذكور، فإن العارفين بأمور الجامعات يدركون جيدا أنها تقوم بذلك النشاط من أجل عرض نتاج طلابها، ولا يُنظر إلى ذلك النشاط باعتباره جزءا من الحياة الثقافية، لذلك فإن الإعلان عن إقامة ذلك المعرض في إحدى الجامعات الأمريكية لا يضفي عليه قيمة مثيرة. سيمر الطلاب بلوحات فنانين عراقيين لا يعرفون عنهم شيئا، ولا يحتاجون أصلا إلى معرفة شيء عنهم. بهذا المعنى فإن العرض الجامعي هو نشاط عبثي.

معرض من غير هوية

هل نحن أمام عملية اختطاف ثقافي؟ شيء من هذا القبيل يمكن أن يقودنا إلى نتائج قد لا تكون مقصودة، على الرغم من أن المعرض هو أشبه بشهادة وفاة للفن التشكيلي في العراق. هذا ما تبقى منه، وما علينا أن نتذكره. هؤلاء هم الورثة. يضع المعرض تاريخ الفن الحديث في العراق بين قوسي سردية جديدة غير عادلة تعمل على إعادة إنتاجه بصيغة تستمد قوتها من حكم وصاية صار يمارسها البعض، بعد أن فقدت المؤسسة الفنية في العراق قدرتها على تأكيد وجودها وحسم موقفها من تاريخ الفن. وبغض النظر عن عنوان المعرض، الذي لا ينسجم مع محتواه، فإن المرء يحار في تصنيفه. فهل هو محاولة لاستعراض تجارب فنية صارت جزءا من التاريخ، بعد خلطها بتجارب فنية معاصرة؟ أم أنه مشروع لاحتواء الفن الحديث في العراق بطريقة تخدم رغبة مبيتة في الوصاية على مستقبله؟ ولأنها تجربة غير مسبوقة فإن الحكم عليها سيكون صعبا. ولكن السؤال الذي يظل قائما هو «إذا كان الغرض من المعرض استعراض التجارب الفنية، التي ظهرت في مرحلة ما بعد جماعة بغداد، فلماذا تم تغييب الجزء الأكبر من تاريخ الفن الحديث في العراق؟
من وجهة نظري فإن المعرض هو نوع من جس النبض لمعرفة ردود الأفعال في مواجهة كتابة جديدة لتاريخ الفن الحديث في العراق، ليست جماعة بغداد سوى واجهته البريئة. لقد فكرت منسقة المعرض بهويته وهو أمر حسن، ولكنها أخطأت طريقها حين ركبت حصان جماعة بغداد للفن الحديث. فليس هناك في المعرض ما يُذكر بالجماعة الفنية الرائدة وما من أحد من الفنانين الأحياء المشاركين فيه ادعى يوما أنه وارث للأفكار والرؤى التي تبنتها الجماعة.
«تجارب متفرقة من الفن الحديث في العراق» عنوان مثالي لمعرض بلا هوية. ولكن العنوان الذي اقترحه قد يسبب حرجا للمنسقة التي رغبت في إحياء ما انقطع. رغبة تستحق الثناء، لولا أن ضررها غير المقصود كان أكبر من نفعها المرتجى. فإذا افترضنا أن المعرض هو عبارة عن مشهد تخيلي يجمع ماضي الفن الحديث في العراق بحاضره، فإن ذلك المشهد جاء ممتلئا بالثغرات ومكبلا بالأخطاء، لا على مستوى التعامل مع التاريخ فحسب، بل أيضا على مستوى إنصاف الحاضر.