العمل في مطعم كان أجدى لي من التخرج بمرتبة شرف
كتب - إيزي كومبي
يكثر الكلام عن "كسل" "جيل زد"، مما يزيد من إحباطنا لأن معظم من أعرفهم يقسمون وقتهم بين البحث عن عمل ووظائف بأجر متدنٍ (غيتي/آيستوك)
ملخص
جيل كامل من خريجي بريطانيا يواجه سوق عمل مغلقة، مع بطالة مرتفعة وأنظمة توظيف آلية تسقط 98 في المئة من الطلبات قبل أن يطلع عليها أي إنسان. بين الوظائف الوهمية وتجاهل الشركات وغياب الإرشاد المهني، يشعر الشباب بأن شهاداتهم لم تعُد تضمن مستقبلاً آمناً.
منذ أن تخرجت في الجامعة عام 2024، اكتشفت أن من يبحث عن عمل في عصرنا هذا لا يعرف إن كان أمام مهزلة تامة أو كابوس مريع. فجيلنا بقي يسمع، منذ نعومة أظفاره، أن حصولنا على شهادة جامعية سيعزز فرصنا في دخول سوق العمل ويخولنا بناء مسيرة مهنية شيقة. وجيلنا برمته صدق ذلك فعلاً، ونحن اليوم ندفع ثمناً باهظاً لذلك.
منذ ربع قرن، كان 68 في المئة من الطلاب يدخلون سوق العمل بعد تخرجهم مباشرة، ويختار 20 في المئة آخرون متابعة علمهم واكتساب مهارات تخصصية. أما اليوم، فلا يلتحق بسوق العمل فوراً إلا 54 في المئة من المتخرجين، وهذه النسبة تتجه سريعاً نحو الانخفاض. وعام 2000، كانت نسبة بطالة المتخرجين الجدد تناهز خمسة في المئة، في تناقض صارخ مع نسبة 16.9 في المئة يختبرها أبناء جيلي اليوم.
يسعى عدد كبير من أصدقائي إلى الحصول على شهادة الماجستير (التي أصبحت مطلباً متزايداً في بعض القطاعات)، ومع ذلك، تبقى الآفاق قاتمة. فعلى سبيل المثال، يواجه صديق لي، نال حديثاً شهادة الماجستير من جامعة "كوفنتري"، صعوبات جمة للحصول على عمل، مع كل ما يرافق ذلك من أعباء مالية إضافية. ولدي صديقة أخرى تخرجت بمرتبة شرف، واكتسبت خبرة عملية هائلة، ولم تحصل على وظيفة في مجال التسويق إلا بعد أن أرسلت مئات الطلبات وعملت لمدة عام في قطاع التجزئة، ناهيك عن عدد من الأصدقاء الآخرين الذين يعملون بدورهم في متاجر بيع بالتجزئة، وأنا لا أقلل من شأن عملهم. لكن لو عرفنا أن هذا ما سيكون عليه مستقبلنا المهني، لفضل كثرٌ بيننا عدم الحصول على شهادات أصلاً، ودخول سوق العمل مباشرة.
واليوم، يكثر الكلام عن "كسل" "جيل زد" المزعوم، وهو خطاب لا يزيدنا إلا إحباطاً، فمعظم من أعرفهم يوازنون بين البحث عن عمل ووظائف بالحد الأدنى للأجور. ويضاف إلى ذلك أن عملية البحث عن وظيفة منهكة ومحبطة. فالرفض لا ينتهي – إن حصلت على رد أصلاً – أما المعتاد فهو عدم تلقي أية إجابة عن مئات، بل آلاف، الطلبات.
إذا كان أرباب العمل لا يقدرون الشهادات الجامعية فما جدوى الدراسة؟
وأنا تقدمت لعدد كبير من وظائف المتخرجين الجدد، بما في ذلك برامج برعاية حكومية وهيئات الخدمات العامة على غرار "هيئة الخدمات الصحية الوطنية" NHS. وأثناء اختبارات القبول كلها، حصلت على أعلى الدرجات، لكن الرد كان يأتي عادة، بعد طول انتظار، بأنني "مرفوضة بسبب كثرة عدد المتقدمين للوظيفة". وليست هذه تجربتي وحدي بل إنه واقع شائع، يختبره جميع أقراني. والمشكلة لا تتمثل في انعدام الكفاءة للوظيفة، بل في أن آلاف المتقدمين يتنافسون بضراوة للحصول على وظائف للمبتدئين.
لدي صديقة مقربة تعمل منذ عام 2022 في سلسلة مطاعم راقية. ومع الإكراميات، يفوق دخلها ما يتقاضاه عدد كبير من المتخرجين الجدد الذين حصلوا على وظائف للمبتدئين. وهنا، حبذا لو فتحوا أعيننا على هذا الواقع قبل أن نحصل على شهاداتنا! بيد أن التوجيه المهني يكاد يكون غائباً داخل معظم مدارس المملكة المتحدة. وتقدمت إلى ثلاث سلاسل مطاعم، وعملت فيها لفترات تجريبية حققت خلالها نتائج جيدة. ومع ذلك، أخبرني أحدهم بأن مؤهلاتي هي أعلى من المطلوب، في حين أن صاحب عمل آخر تجاهلني تماماً، مع أن فترتي التجريبية كانت فعلاً ممتازة. فلم أتلقَ أي اتصال أو رسالة نصية أو رسالة رفض تعلمني بسبب عدم قبولي. وأكرر هنا أن التجاهل المهني واقع يختبره كثرٌ من أبناء جيلي، وهو مؤلم فعلاً ويبعث على الشعور بالعزلة.
وما أكثر الوظائف التي تقدمت لها. وبرأيي، يتمثل أكبر الأعباء في استخدام الذكاء الاصطناعي في عملية التوظيف، إذ تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي للمتقدمين إرسال طلبات توظيف جماعية، تستخدمها الشركات أيضاً في عمليات الفرز. واليوم، أصبحت أنظمة التوظيف تعتمد على عناصر فرز صارمة، تؤدي إلى استبعاد 98 في المئة من المرشحين تلقائياً قبل أن يتسنى حتى لأي إنسان الاطلاع عليها. ويعني ذلك أن فرصة المتقدم بتخطي ما يكفي من عراقيل للعبور إلى مرحلة المقابلات التالية لا تتعدى اثنين في المئة. أما الـ98 في المئة الذين يلقون الرفض، فلا يحصلون على أية ملاحظات أو تشجيعات، بل يصلهم رفض آلي، ويقابلهم الصمت، ويضطرون إلى ملء مزيد من استمارات العمل.
أفترض أن الطابع غير الشخصي لهذه العملية قد يحمل تبعات غير متوقعة على أصحاب العمل أنفسهم. فالذكاء الاصطناعي مدرب على تصنيف البيانات والبحث عن كلمات مفتاحية محددة. لكنه لا يستطيع قياس عوامل ذات طابع إنساني أكبر، غالباً ما لا تظهر للعيان إلا وجهاً لوجه، من بينها الشغف والقدرة على العمل ضمن فريق ومدى التناسب مع الدور الوظيفي. ويعني ذلك أن أشخاصاً موهوبين قد يخسرون فرصة لمجرد أنهم لا يستوفون الشروط الخوارزمية، وهو نظام عبثي فعلاً!
ومن ثم، يعتقد 37 في المئة من العاملين في المملكة المتحدة، ممن تراوح أعمارهم ما بين 18 و34 سنة، بأنهم تقدموا لمناصب كانت في الواقع "وظائف وهمية"، أي عبارة عن إعلانات تروج لوظائف شاغرة لم تكُن موجودة فعلياً. وفي هذا الصدد، أخبرني أحد أقراني، ويعمل في مصرف كبير، بأن هذا ما يحصل تحديداً في مكان عمله. فالمؤسسات ملزمة قانوناً نشر الإعلانات عن مناصب، لكن هذه الأخيرة تكون في الواقع محجوزة لمرشحين داخليين أو لأبناء العاملين فيها. وأنا أعلم أن مبدأ "المعرفة الشخصية" كثيراً ما كان موجوداً، لكن الأمر بات أقرب إلى المهزلة حين لا يستطيع أحد دخول أي قطاع ما لم يملك معارف وعلاقات. وليس مستغرباً أن تشتد الانتقادات الموجهة إلى "أبناء المحسوبية"!
وأبناء جيلي لا يطلبون مساعدات مجانية، وبعكس الرأي الشائع، لا نتوقع رواتب بمئات الآلاف بينما نعمل من المنزل، بل نطمح لفرصة عادلة. ونريد (ونحتاج إلى) توجيه مهني أفضل، يبدأ في المدرسة. ونطالب بالشفافية بالنسبة إلى الشهادات ومعدلات النجاح في التوظيف داخل المؤسسات، ناهيك عن فرز بشري للسير الذاتية وطلبات التوظيف، وبعد ذلك المضي إلى المقابلات، علماً أن هذا المطلب ليس من سابع المستحيلات.
من الواضح أن المملكة المتحدة بحاجة إلى الاستثمار في برامج تدريب أفضل، تكون بديلاً عن الشهادات الجامعية المكلفة. لكنني أتمنى أيضاً أن تدرك الشركات والحكومة أننا أيضاً بشر. فالمزيج بين التقدم بآلاف طلبات الوظائف بلا نتيجة، وبين تجاهل أصحاب العمل لمقدمي الطلبات، وبين الانكباب على البحث عن عمل بلا جدوى، عامل رئيس لتدهور السلامة العقلية لأبناء جيلي، وشعورهم المتزايد بالإحباط. وبات إيجاد بديل أكثر نجاعة ضرورة لا مفر منها.
تخرجت إيزي كومبي في جامعة "ساسكس" عام 2024 مع تقدير "جيد جداً" في مجال إدارة الأعمال.