مستشار وزارة الثقافة: الأصوات العقلانية باليمن تدرك أن السلام الحقيقي لا يُبنى على المجاملات السياسية
أكد الصحفي والمتخصص في قضايا حقوق الإنسان، المستشار في وزارة الثقافة محمد مهدي، أن السلام في اليمن لم يعد مجرد مطلب سياسي، بل أصبح ضرورة إنسانية وأخلاقية لإنقاذ بلد أنهكته سنوات الانقلاب والاضطراب والفوضى.
وأوضح مهدي في مقال بعنوان «السلام الذي يسعى إليه اليمنيون» أن السلام ليس شعاراً عابراً أو ترفاً فكرياً يُتداول في الندوات والخطابات، بل مبدأ عقلاني تسعى إليه الفطرة الإنسانية حتى قبل أن تنظّر له الفلسفات السياسية، مشيراً إلى أن الشعوب تبحث عن السلام عندما تُنهكها الحروب وتدرك أن كلفة الصراع تفوق أي مكاسب محتملة.
وأشار إلى أن السلام يمثل الإطار الطبيعي الذي تنمو في ظله الدول وتزدهر المجتمعات، مؤكداً أن أي مشروع تنموي أو إصلاحي لا يمكن أن ينجح في ظل انتشار السلاح وهيمنة الجماعات المسلحة. ولفت إلى أن السلام الذي يطمح إليه اليمنيون ليس استسلاماً ولا تسوية هشة تُبقي أسباب الصراع قائمة، بل سلام يقوم على استعادة الدولة وبسط سيادتها واحتكارها المشروع لاستخدام القوة.
وبيّن أن الأصوات العقلانية في اليمن تدرك أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على المجاملات السياسية أو الحسابات قصيرة الأمد، بل على معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها الانقلاب على الدولة ومؤسساتها.
كما تناول الكاتب ما وصفه بـ «ملف السلام في اليمن»، موضحاً أن البلاد شهدت خلال السنوات الماضية عدة جولات من المفاوضات برعاية الأمم المتحدة وأطراف إقليمية، من بينها جهود بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA)، غير أن المسار الذي كان يفترض أن يقود إلى إنهاء الحرب تحوّل في كثير من الأحيان إلى ملف خاضع للمساومة والاستغلال السياسي.
وأضاف أن جماعة الحوثيون استخدمت في بعض المراحل «ملف السلام» كوسيلة لإعادة التموضع أو التقاط الأنفاس أو تحسين صورتها أمام المجتمع الدولي، دون إبداء إرادة حقيقية لمعالجة أسباب الصراع، الأمر الذي جعل السلام يتحول من هدف وطني جامع إلى أداة تكتيكية ضمن الصراع القائم.
ووصف مهدي الجماعة بأنها نموذج لحركة مسلحة أيديولوجية يقوم بنيانها الفكري على فكرة الاصطفاء والتفوق، وهو ما يتعارض – بحسب رأيه – مع مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على مبدأ المواطنة المتساوية، مشيراً إلى أن هذه البنية الفكرية المغلقة تجعل من الصعب تصور انخراطها الحقيقي في مشروع سلام قائم على الشراكة الوطنية، ما لم يتوقف التحشيد الأيديولوجي والتجنيد العسكري.
وفي سياق متصل، دعا الكاتب المجتمع الدولي إلى إدراك أن السلام في اليمن لا يمكن اختزاله في بيانات الترحيب أو التعهدات العامة، مؤكداً أن غياب آليات الردع والمساءلة شجّع على التلاعب بالمسارات السياسية. وأضاف أن أي عملية سلام لا تلزم الأطراف بوضوح ولا تفرض تكلفة حقيقية على من يعرقلها ستظل عرضة للفشل.