قاسم الهارش: برعاية السعوديةالجنوب أمام اختبار التوافق واغتنام الفرصة التاريخية
أكد المحلل السياسي الدكتور قاسم الهارش، أن التحولات الكبرى لا تقاس قيمة الشعوب بارتفاع شعاراتها بل بقدرتها على قراءة التاريخ بوعي واستيعاب تعقيدات الحاضر واتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب.
ونوه بأن اليوم يقف الجنوب أمام مفترق طرق جديد يحمل في طياته فرصة سياسية نادرة ربما لا تقل أهمية عن أبرز المحطات المفصلية التي مر بها خلال العقود الماضية.
وقال إن هذه الفرصة لا تأتي في سياق عابر بل تتشكل برعاية مباشرة وكريمة من المملكة العربية السعودية التي تضع بثقلها السياسي والإقليمي إطارا متكاملا لإعادة ترتيب البيت الجنوبي وتهيئة الأرضية لانطلاقة أكثر استقرارا ووضوحا. إنها لحظة تتجاوز حدود اللقاءات التقليدية لتصل إلى مستوى الاختبار الحقيقي لنضج القيادات ووعي الشارع وقدرة الجميع على تغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة.
وشدد على أن استدعاء الذاكرة السياسية في هذا السياق ليس ترفا فكريا بل ضرورة وطنية ملحة. ففي عام 1990، وقبيل إعلان الوحدة، قدمت المملكة العربية السعودية نصائح وتحذيرات واضحة للجمهورية اليمنية الديمقراطية الشعبية داعية إلى التريث وعدم الانزلاق نحو وحدة غير مدروسة العواقب. غير أن القيادة آنذاك لم تستوعب طبيعة التحذيرات التي طرحت أمامها وتعاملت معها بقدر من المكابرة والتعجل فاندفعت نحو خيار الوحدة دون قراءة متأنية لتعقيداته وتحدياته وهي خطوة لم تصمد طويلا لتدخل البلاد لاحقا في تجربة مضطربة انتهت إلى اختلالات عميقة لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
وأشار إلى أن اليوم يتكرر المشهد ولكن في سياق أكثر تعقيدا وتشابكا التحديات أكبر والمعاناة أعمق والرهانات أعلى. ومع ذلك فإن الفرصة لا تزال قائمة بل قد تكون الأخيرة بهذا المستوى من الجدية والرعاية الإقليمية، فالحوار الجنوبي الجنوبي في الرياض ليس مجرد فعالية سياسية بل محطة مفصلية ستبنى عليها ملامح المرحلة القادمة.
كما أكد أن المسؤولية هنا تقع أولا وأخيرا على عاتق القيادات الجنوبية. فإما أن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية وتدرك أن وحدة الصف ليست خيارا تكتيكيا بل ضرورة وجودية أو أن تعيد إنتاج أخطاء الماضي وتفتح الباب أمام دورة جديدة من الأزمات. إن أي مشروع سياسي لا يستند إلى توافق جنوبي حقيقي سيظل هشا عرضة للانهيار عند أول اختبار.
ولفت إلى أن المملكة العربية السعودية أثبتت عبر تاريخها السياسي أنها لاعب رئيسي في دعم الاستقرار الإقليمي ومساندة القضايا العادلة. وما تطرحه اليوم ليس مجرد مبادرة عابرة بل إطار عملي قابل للبناء عليه يتيح للجنوبيين فرصة إعادة صياغة موقفهم وتوحيد كلمتهم والانطلاق نحو مرحلة جديدة أكثر تماسكا.
غير أن نجاح هذا المسار يظل مرهونا بمدى استعداد الجنوبيين أنفسهم لالتقاط اللحظة. فالتاريخ لا ينتظر المترددين والفرص الكبرى لا تتكرر كثيرا. والجنوب الذي دفع أثمانا باهظة نتيجة الانقسامات لم يعد يحتمل ترف إضاعة الفرص.