من ضفاف النيل إلى عدن.. رحلة التأمل في ضياع الوطن والبحث عن المستقبل
وقفت متأمّلًا هذه الأيام، وأنا أقضي بعض الوقت ـ ولله الحمد ـ في العاصمة المصرية القاهرة، في طريقي عائدًا إلى عدن بعد رحلة عمل في المملكة العربية السعودية، استجابةً لاستدعاء الأشقاء قبل ما يقارب ثلاثة أشهر ونصف، عقب التطورات التي شهدتها عدن والجنوب، وتلك الانتكاسة التي لا تخفى على كل متابع للمشهد الجنوبي.
تذكّرت، ونحن بالأمس قد مرّ علينا يوم 27 أبريل، كيف تمضي السنوات سريعًا، وكيف أصبح حالنا اليوم. وتساءلت: كيف تتراجع أوضاع الشعوب العربية عامًا بعد عام، خصوصًا في الجمهوريات، في حين تتقدم أمم أخرى من حولنا؟
بلادنا اليمن، أو الجنوب العربي، كلها مسميات سياسية وجغرافية، لكن المقصد هو دولتا اليمن سابقًا: جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية والجمهورية العربية اليمنية، ثم الجمهورية اليمنية التي حاولت احتواء الدولتين، لكنها للأسف لم تنجح في تحقيق وطن يعيش فيه الإنسان بكرامة، ولا أعادتنا كما كنا إخوة نعيش في وئام وسلام كما هو حال كثير من الشعوب من حولنا.
وبينما كنت أسترجع هذه الذكريات، تسلّمت نسخة من كتابي الجديد الذي أسميته "رحلة البحث عن وطن"، وهو الجزء الأول — وأسأل الله التوفيق لإكمال الجزء الثاني وربما الثالث — وقد تناولت فيه البعد الشخصي في مشاركتنا في رحلة النضال الطويلة بحثًا عن وطنٍ آمنٍ مستقر.
ولقد استوقفتني، من خلال مراسلاتي مع كثيرين، ملاحظة مؤلمة، وهي أن زمن القراءة قد تراجع كثيرًا، ولذلك نجد شعوبًا تندفع وتهيّج بسهولة لأنها لا تقرأ ولا تستفيد من التجارب.
لقد أصبح حلم من يغادر وطنه إنجازًا ووسامًا يفتخر به. إنها مأساة ضياع الوطن؛ فحين يتحول الوطن إلى مجرد جغرافيا خالية من الحياة الكريمة والأمن والاستقرار، وحين تصبح الشعارات التي رُفعت لعقود طويلة بلا أثر حقيقي في الواقع، عندها يصبح أمل كل فرد أن يعيش خارج وطنه، وأن يبحث عن حقوقه وحياته الكريمة في بلدٍ آخر، سواء في دول الخليج العربي أو في بعض الدول العربية الأفضل حالًا، أو حتى في الدول الأوروبية والشرقية.
أيها الأعزاء، إننا منذ عقود طويلة نردد نفس الأهداف ونفس الطموحات، ساعين إلى الوصول لوطنٍ حقيقي. وكلما تحقق بعض الإنجازات، ضاعت من أيدينا. والسؤال الذي يفرض نفسه: لماذا نضيّع ما نحققه؟
إن من أهم الأسباب — مع احترامي لبعض القيادات — هو سوء القيادة، وصراع الأحزاب، والارتهان السياسي، وغياب التوازن في إدارة شؤون الدولة. نعم، لدينا قيادات ومشايخ ومناضلون يمتلكون القدرة على الحشد وخوض المواجهات، لكن كثيرًا منهم يفتقدون فقه السياسة وفقه الأولويات، وكيفية إدارة الدولة بحكمة ومسؤولية.
وهذا ما أوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم في اليمن عمومًا، وفي الجنوب على وجه الخصوص؛ حيث يعاني المواطن من الظلم والتهميش، ومع ذلك يبقى شعب الجنوب من أكثر الشعوب تضحية، وأكثرها خروجًا إلى الساحات. وها نحن نشاهد في الجنوب أو الشمال خروج ملايين كبيرة من الناس تحت دعوات مختلفة، وهو حق للشعوب أن تقول كلمتها.
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: ماذا بعد الخروج إلى الساحات؟ وماذا بعد تلك المليونيات؟ هل تتحسن أحوالنا؟ وهل وقفنا مع أنفسنا وقفة تقييم صادقة: ماذا بعد؟
أتذكر أن شخصية سياسية مهمة، وهو دكتور وسياسي جنوبي احتفظ باسمه، قال لي يومًا: "لا تركز على من هم في الساحات، بل ركّز على من هم في المنصّات؛ فهؤلاء هم من يصنعون التوجه ويحددون المسار."
فالجماهير لا تكتب البيانات السياسية، بل يقوم بذلك عدد محدود من الأشخاص، وهم من يحددون الاتجاهات، بينما تتلقى الجماهير تلك التوجهات بالهتاف والتصفيق، حتى وإن كانت هناك تحفظات فلن يسمع لها أحد.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل سأل قادتنا منذ الثمانينيات والتسعينيات وحتى اليوم أنفسهم: ماذا بعد هذا الاصطفاف الشعبي؟ وهل تحقق شيء من الأهداف التي حُشدت من أجلها الجماهير، أم أننا نستمر بنفس الزخم من مرحلة إلى أخرى دون النظر إلى النتائج؟
لقد اصطفت الملايين خلف قيادات متعددة في العقود الماضية، ثم رحل من رحل منهم، وبقي من بقي، لكن الأوضاع كما هي، فأين السبب؟
نحن بحاجة اليوم إلى وقفة عقلٍ وحكمة، توازي بين الزخم الشعبي والعمل السياسي والبناء المؤسسي ووحدة الصف، وإلى مراجعة صادقة لأسباب الإخفاقات، والانتقال من مجرد الحشد والشعارات إلى عملٍ واقعيٍ منظم يؤكد أهمية البناء السليم وتصحيح الأخطاء، حتى نصل إلى برّ الأمان في وطنٍ يسوده السلام والأمن والاستقرار، وإلا سنظل — ويأتي من بعدنا جيل قادم — في رحلة البحث عن وطن.
نسأل الله العافية.