سيناريوهات المواجهة تتصاعد: هل يملك الحوثيون القدرة العملياتية على إغلاق مضيق باب المندب كلياً
يعيش اليمن حالة من الترقب الشديد مع احتمالات مفتوحة للتصعيد العسكري الشامل بعد إعلان جماعة الحوثيين يوم الاثنين الماضي انتهاء الهدنة رسميناً على خلفية أزمة الطائرة الإيرانية واستهداف مطار صنعاء الدولي بغارات عدة لمنع هبوط طائرة إيرانية ليرد الحوثيون بقصف مطار أبها جنوبي السعودية محذرين شركات الطيران العالمية من عبور الأجواء السعودية وفي ظل مشهد معقد كهذا يتشابك فيه الصراع الداخلي بالتطورات الإقليمية المتسارعة وارتباط الحوثيين الوثيق بإيران يعود سيناريو إغلاق الحوثيين لمضيق باب المندب الاستراتيجي إلى الواجهة مجدداً ليبرز معه السؤال الجوهري حول مدى قدرة الحوثيين العملياتية على إغلاق المضيق كلياً.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن التعطيل المشترك لمضيقي هرمز وباب المندب يضع ما يقدر بنحو 10 مليارات دولار يومياً من حركة التجارة العالمية في خطر حقيقي فضلاً عن حجب ما يقرب من ربع معروض النفط والغاز العالمي بحسب ما أورده تقدير حديث نشرته منصة مؤسسة أوبزرفر البحثية ومع إعلان الحوثيين انتهاء مرحلة خفض التصعيد تطوى صفحة أطول هدنة شهدها اليمن خلال سنوات الحرب الاثنتي عشرة والتي تم التوصل إليها في إبريل من عام 2022 ما يفتح الباب على مصراعيه أمام سيناريوهات متعددة لحرب جديدة أثقلت كاهل اليمنيين.
وفي وقت أكد فيه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي أول من أمس الجمعة تمسك الدولة بحقها الحصري في إدارة المجال الجوي والمطارات اليمنية وترحيب الحكومة بالمبادرة الأردنية لاستئناف الرحلات الجوية بين صنعاء وعمان احتشد الآلاف من أنصار الحوثيين يوم الجمعة في ميدان السبعين بصنعاء وساحات أخرى أطلقت خلالها رسائل تصعيدية تجاه السعودية والولايات المتحدة وإسرائيل وفوّض المشاركون في بيان أعقب التجمعات زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي باتخاذ ما يلزم من قرارات لكسر ما يصفونه بالحصار بما في ذلك فتح المطارات والموانئ واستعادة ثروات البلاد.
ويرى المحلل العسكري علي الذهب أن لدى الحوثيين القدرة على الحد من حركة التجارة في مضيق باب المندب وليس إغلاقه تماماً لأن هناك اعتبارات دولية كثيرة تحول دون حصول عملية غلق كامل لباب المندب وتوقف الملاحة كلياً لافتاً إلى أن الحوثيين لم يتمكنوا من تحقيق هذا الأمر في ذروة قوتهم العسكرية فكيف يستطيعون القيام به بعد الضربات غير المسبوقة التي تعرضوا لها خلال عام 2025 من الولايات المتحدة وإسرائيل والتي قلصت الكثير من قدراتهم وألحقت أضراراً بالغة بالأصول الاستراتيجية للجماعة ويضيف الذهب أن الحوثيين ربما أعادوا بناء بعض قدراتهم لكنهم يخشون خسارتها مجدداً حيث ستتكرر الضربات العنيفة ضدهم إذا ما أقدموا على فعل كهذا.
وبحسب الذهب فإن هناك عملية رصد مستمرة لمنصات إطلاق صواريخ ومسيرات تابعة للحوثيين في مناطق تقع إلى الخلف من الساحل الغربي ومنها جبل فاس شمالي حيس ومحاولة الاستيلاء على جبل دباس وأيضاً محاولة السيطرة على سلسلة جبلية في الراهدة ورغم فشل الحوثيين في تحقيق ذلك إلا أنهم يتموضعون في جبال محيطة تمكنهم من الاحتماء بها والإطلاق نحو البحر الأحمر وتمنحهم حرية للسيطرة الباليستية كما رُصدت إعادة صيانة وتشغيل بعض الأنفاق التي تمتد من الساحل الغربي وحتى داخل مدينة الحديدة لتهريب بعض الزوارق والطائرات المسيرة والمقاتلين قبيل الصيف الحالي.
وبشأن توجه الولايات المتحدة نحو ضرب محطات الكهرباء والطاقة في إيران وتصعيد الحوثيين رداً على ذلك في البحر الأحمر ومضيق باب المندب يتوقع الذهب أن الولايات المتحدة قبل أن تقدم على مثل هذا التصعيد ستقوم بضرب قدرات الحوثيين قبيل ذلك أو بشكل متزامن للحد من أي استجابة عسكرية لهم إضافة إلى مضاعفة عمل فرقة المبادرة الأوروبية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ويتابع أنه قد ينشط أيضاً تحالف الازدهار الذي تقوده الولايات المتحدة وقد يكون هناك نشاط عسكري عنيف للقوات الحكومية في الساحل الغربي وتتسع رقعة المواجهات على الأرض إذا ما انتهت عملية السلام وإن كان يستبعد حدوث ذلك بشكل وشيك مرجحاً اقتصار الأمر على الفواعل الدولية في البحر الأحمر لردع الحوثيين دون مواجهات ميدانية واسعة.
وفي السياق ذاته نقلت وكالة رويترز يوم الخميس الماضي عن ثلاثة مصادر قولها إن إيران طلبت من جماعة الحوثيين في اليمن الاستعداد لإغلاق مضيق باب المندب إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً على البنية التحتية لشبكة الكهرباء في إيران وقال مصدران إيرانيان كبيران ومصدر مطلع من إحدى دول المنطقة طلبوا عدم نشر أسمائهم إن الفكرة نوقشت داخل القيادة الإيرانية وجرى إبلاغ الجماعة بها وأكدت مصادر رويترز أنه جرى إبلاغ الحوثيين بطلب طهران في الآونة الأخيرة من دون أن تقدم هذه المصادر مزيداً من التفاصيل بشأن كيفية إيصال الطلب أو ما إذا كان قد جرى ذلك فعلياً.
وفي ظل التوترات المتصاعدة في الممرات البحرية الحيوية الممتدة من خليج عدن إلى البحر العربي أفادت مصادر أمنية بحرية يوم الجمعة بأن مسلحين صعدوا على متن ناقلة منتجات كيميائية في خليج عدن قبالة سواحل جنوب اليمن وذلك بعد وقت قصير من إعلان هيئة بحرية بريطانية تلقيها بلاغاً عن واقعة على بعد 65 ميلاً بحرياً جنوبي مدينة المكلا ورجحت رويترز أن يكون الهجوم عبارة عن عملية قرصنة ونقلت عن مصادر قولها إن المسلحين تمكنوا من السيطرة على الناقلة التي تشير بيانات تتبع السفن إلى أن وجهتها هي بوصاصو في الصومال ولم تعرف بعد الجهة الدقيقة التي تقف خلف الهجوم وذكرت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أن أفراداً غير مصرح لهم صعدوا على متن سفينة في أثناء عبورها شرقاً في خليج عدن.
وفي الثالث من يوليو الحالي سعت إيران إلى فرض معادلة جديدة في اليمن عبر محاولة كسر الحصار المفروض على الحوثيين في صنعاء مرسلة أول طائرة ركاب لها إلى صنعاء لتتمكن من الهبوط في العاصمة اليمنية متجاهلة تحذيرات من مقاتلات التحالف بقيادة السعودية لكن الأمر تطور يوم الاثنين الماضي مع اختراق طائرة إيرانية ثانية تحمل وفداً حوثياً شارك في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي الأجواء اليمنية متجهة صوب صنعاء إلا أن غارات مكثفة على المطار حالت دون هبوطها لتغير الطائرة الإيرانية مسارها وتهبط في مطار الحديدة.
ومنذ عام 2022 صمدت أطول هدنة جرى التوصل إليها في اليمن بعد سنوات من الحرب عقب الانقلاب الذي نفذه الحوثيون في سبتمبر 2014 وتدخل التحالف بقيادة السعودية لقتال الحوثيين في 2015 لتعيش البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم واستمرت الهدنة رغم التصعيد في المنطقة المرتبط بحرب غزة في أكتوبر 2023 والتي قصف الحوثيون خلالها سفن شحن في البحر الأحمر وباب المندب بدعوى إسناد غزة فضلاً عن انخراطهم في المواجهات العسكرية الحالية المرتبطة بإيران.
ويرى الباحث في الأمن الإقليمي إبراهيم جلال فقيرة أن آفاق توسيع رقعة تعطيل خطوط الملاحة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب تعتمد كلياً على مسارات التصعيد في الحرب الإيرانية وتجاوز الخطوط الحمراء وعلى رأسها استهداف منشآت الكهرباء الإيرانية لافتاً إلى أنه يمكن القول إن القرار الاستراتيجي لعملية كهذه يقع بيد الحرس الثوري الإيراني وفي الشق العملياتي يوضح فقيرة أن الحوثيين لديهم القدرة على شن عمليات تستهدف الملاحة الدولية حول باب المندب ورفع كلفة المخاطر بما يدفع شركات الشحن إلى العزوف عن المرور بالبحر الأحمر أو دفع إتاوات مقابل عدم الاستهداف مختتماً بأن استهدافاً حوثياً واحداً كفيل برفع مستوى التهديد ومراجعة سياسات وأسعار التأمين والنقل البحري.
ويخشى اليمنيون من تبعات أي تصعيد جديد في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وانعكاساته الاقتصادية الكارثية عليهم كما تخشى دول المنطقة والعالم من سيناريو إغلاق مضيق باب المندب والخسائر الفادحة التي سيسببها ذلك إذ أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز منذ بدء الحرب في 28 فبراير الماضي إلى تعطيل صادرات النفط والطاقة الأخرى من منطقة الخليج ما تسبب في ارتفاع الأسعار العالمي وصدمة كبيرة في قطاع الطاقة الدولي.
من جهتها ترى الباحثة في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية ميساء شجاع الدين أن الحوثيين ورقة ضغط استخدمتها ولوحت بها إيران كثيراً موضحة أن العديد من المسؤولين الإيرانيين لوحوا سابقاً بخيار إغلاق مضيق باب المندب لكن القرار الفعلي لم يكن قد اتخذ بعد مرجعة ذلك إلى حالة انفلات داخل النظام الإيراني وبحسب شجاع الدين فإن التلويح الإيراني المستمر بورقة باب المندب يعد دليلاً على وعيهم بأهمية هذا المضيق الاستراتيجي خصوصاً مع إغلاق مضيق هرمز فإغلاق الممرين يخلق حالة ضغط كبيرة عالمياً وستتأثر به دول الخليج وخصوصاً السعودية في تصدير النفط إلى شرق آسيا وإدراك الإيرانيين لهذه المسألة يجعلهم يلوحون باستمرار باستخدام هذه الورقة للضغط دون استخدامها فعلياً للحصول على تنازلات وختمت بأن باب المندب كان الاختبار الأول للإيرانيين في استخدام ورقة المضائق عبر الحوثيين في عام 2023 والإيرانيين رتبوا وضعهم على حرب طويلة الأمد بعكس الولايات المتحدة التي كانت تعتقد أنها ستنهي الحرب سريعاً.