تعز تكشف خطورة الرهان الخاطئ.. تحذيرات مبكرة من فشل مجلس القيادة تعود إلى الواجهة (تقرير)
تقرير - عين عدن - خاص :
شهدت جبهات غرب تعز اليوم الخميس 3 سبتمبر 2026 تصعيداً عسكرياً واسعاً أعاد مخاطر المواجهة مع مليشيات الحوثي إلى الواجهة. إذ امتدت المعارك إلى مقبنة والكدحة والبرح وموزع وجبل حبشي وسط محاولات حوثية للتقدم وقطع الطريق الرابط بين مدينة تعز والمخا. وأعلنت القوات الحكومية والمقاومة الوطنية شن هجوم مضاد في مقبنة والكدحة وتحقيق تقدم في منطقة العقمة بمديرية موزع. كما تحدثت المصادر العسكرية عن إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة في أجواء مديرية جبل حبشي بالتزامن مع إطلاق الحوثيين نحو 14 صاروخاً باليستياً باتجاه مناطق في المخا والخوخة والساحل الغربي. وأدت حدة القصف والمواجهات إلى نزوح مواطنين من قرى في مقبنة والكدحة والمخيمات الواقعة بالقرب من مناطق الاشتباكات. وهي تطورات تؤكد أن ما يجري ليس مجرد اشتباك محدود بل تصعيد يستوجب قراءة أوسع لحالة الجبهات واستعداد القيادة السياسية والعسكرية لأي تحرك حوثي جديد.
وتكمن خطورة المشهد في أن الهجوم جاء بصورة متزامنة على أكثر من محور. فيما تشير إفادات محور تعز إلى أن القوات الحكومية تمكنت من إفشال محاولة تقدم في مقبنة والكدحة كانت تستهدف الطريق الرابط بين تعز والمخا ثم انتقلت إلى الهجوم المضاد. كما شهدت جبهة الأحطوب في مديرية جبل حبشي محاولة تسلل حوثية قالت القوات الحكومية إنها أحبطتها. وبذلك تصبح المعركة أبعد من مجرد حساب عدد المواقع التي تقدم فيها هذا الطرف أو تراجع عنها الطرف الآخر لساعات. فالمعيار الحقيقي سيكون في قدرة القوات الموجودة على الأرض على تثبيت خطوطها ومنع الحوثيين من تحويل الضغط المتزامن إلى اختراق مستدام يهدد الطريق نحو الساحل الغربي والمخا وباب المندب.
منذ أكثر من شهرين نحذر من التمسك بمجلس فشل في الاقتصاد والخدمات
منذ أكثر من شهرين ونحن نحذر في سلسلة من التقارير والكتابات من خطورة التمسك بمجلس القيادة الرئاسي الذي فشل في معركة الاقتصاد والخدمات وعجز عن إحداث تحول حقيقي يلمسه المواطن في حياته اليومية. ووجهنا تلك التحذيرات إلى التحالف والمجتمع الدولي وقلنا بوضوح إن الاستمرار في الرهان على قيادة لم تتمكن من إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية ومعالجة الأزمات المتراكمة لن يؤدي بالضرورة إلى نتائج مختلفة عندما تنتقل المواجهة إلى الميدان العسكري. فمن لم يستطع الانتصار في معركة الخدمات والاقتصاد وتثبيت مؤسسات الدولة وتحسين أوضاع المواطنين كيف يمكن الرهان عليه لحسم معركة عسكرية تحتاج إلى قيادة حازمة وقرار موحد ومؤسسات قوية وجيش منظم وجبهة داخلية متماسكة..؟
ولم تكن تلك التحذيرات محاولة لاستباق الأحداث أو تسجيل موقف سياسي على أحد. بل كانت قراءة لما يجري على الأرض ورسالة مبكرة إلى التحالف والمجتمع الدولي بأن استمرار الوضع على حاله ستكون له نتائج أخطر من أزمة كهرباء أو انهيار عملة أو تراجع خدمة. لكننا لم نجد آذاناً صاغية تسمع كلام العقل وتتعامل بجدية مع هذه التحذيرات. واليوم تأتي أحداث تعز لتضع هذه المخاوف أمام الجميع من جديد. والسؤال لم يعد متعلقاً بقدرة مجلس القيادة على إدارة أزمة اقتصادية فحسب بل بقدرته على التعامل مع تصعيد عسكري قد لا يتوقف عند تعز. ولذلك فإن التحالف والمجتمع الدولي مطالبان بمراجعة حساباتهما بدلاً من انتظار نتائج أكثر خطورة ثم البحث عن الحلول بعد وقوعها.
الاستغناء عن القوات الجنوبية.. من يملأ الفراغ في الجبهات؟
وعندما يتم الاستغناء عن القوات الجنوبية التي كانت خلال مراحل مفصلية من الحرب حصناً عسكرياً في مواجهة الحوثيين وسنداً مهماً للتحالف في حماية مناطق استراتيجية تمتد إلى الساحل وباب المندب فإن السؤال الطبيعي هو: من هي القوة البديلة القادرة على حماية الأرض والثبات فيها؟ فالمعارك لا تُحسم بالتوازنات السياسية ولا بتوزيع النفوذ بين القوى وإنما بالقوات التي تمتلك الخبرة والانضباط والجاهزية والاستعداد للبقاء في مواقعها مهما كانت كلفة المواجهة. وإذا كان هناك توجه لإبعاد أو تحجيم قوات أثبتت حضورها في الميدان فإن المسؤولية تقتضي أولاً ضمان وجود بديل قادر على أداء المهمة نفسها وعدم ترك ثغرات تتحول لاحقاً إلى أبواب مفتوحة أمام الحوثيين.
ولقد شاهد اليمنيون خلال سنوات الحرب مشاهد مؤلمة في عدد من الجبهات ولا سيما في مأرب ومحيطها عندما تراجعت وحدات وسقطت مواقع ووصلت أسلحة ومعدات وعتاد إلى أيدي الحوثيين. ولا ينبغي أن تتكرر مثل هذه التجارب ثم نتعامل معها كل مرة باعتبارها مفاجأة عسكرية جديدة. والمقصود هنا ليس الانتقاص من الجنود الذين يقاتلون اليوم في تعز ويقدمون التضحيات دفاعاً عن مواقعهم. بل السؤال موجه إلى من يرسم خارطة القوات ويتخذ القرارات المتعلقة بتوزيعها وإعادة تموضعها. فحين يتم الاستغناء عن قوة مجربة يجب أن يكون البديل أكثر قدرة أو على الأقل بالمستوى نفسه. أما أن تتكرر مشاهد التراجع وسقوط المواقع ثم تبدأ عمليات استعادتها بعد دفع خسائر جديدة فذلك يعني أن المشكلة في إدارة المعركة قبل أن تكون في شجاعة المقاتل الموجود في الخندق.
من معركة الخدمات إلى جبهة تعز.. الرهان نفسه أمام الاختبار
إن الأحداث التي شهدتها تعز اليوم ينبغي ألا تمر باعتبارها جولة عسكرية أخرى يمكن إغلاق ملفها بمجرد الإعلان عن صد الهجوم أو استعادة بعض المواقع. فتزامن الهجمات في مقبنة والكدحة والبرح وموزع مع محاولات التسلل في جبل حبشي واستخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة يعطي التصعيد بعداً أكبر. كما أن محاولة الوصول إلى الطريق الرابط بين تعز والمخا ترفع حساسية المعركة بسبب موقع الجبهات الغربية واتصالها بالساحل وبالقرب من باب المندب. وهذا يجعل السؤال عن جاهزية بقية الجبهات مشروعاً. لأن نجاح الحوثيين في اختبار نقطة ضعف واحدة قد يشجعهم على تكرار المحاولة في المكان نفسه أو نقل الضغط إلى محور آخر.
وهنا يصبح مجلس القيادة الرئاسي أمام اختبار حقيقي بعد أن أخفق في تقديم النموذج الذي كان ينتظره المواطن في الاقتصاد والخدمات. ولم يعد مقبولاً أن تظل التحذيرات حبيسة التقارير ثم ننتظر حتى تتحول المخاوف إلى أحداث على الأرض. فما يجري يحتاج إلى مراجعة لطريقة إدارة الجبهات وإلى توحيد القوى الفاعلة والاستفادة من كل قوة أثبتت قدرتها في مواجهة الحوثيين بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة. كما يحتاج إلى موقف جاد من التحالف والمجتمع الدولي تجاه ما حذرنا منه مراراً خلال الشهرين الماضيين. فالتاريخ لا يحاسب فقط من خسر موقعاً في المعركة بل يحاسب أيضاً من وصلته التحذيرات مبكراً وكانت أمامه فرصة لتصحيح المسار ثم اختار ألا يسمعها.