اسم المسؤول أقوى من القانون
محمد المسبحي
أخطر ما وصل إليه الفساد في اليمن ليس أن مسؤولا قد ينهب المال العام، وإنما أن شخصا لا يملك منصبا اصلا يستطيع أن يهدد مواطناً باسم ذلك المسؤول.
هنا نتحدث عن مفارقة مخيفة الدولة تملك القانون، بينما يملك بعض الأشخاص أسماء النافذين ومن هذه المساحة الرمادية وُلد ما يمكن تسميتهم ببلاطجة الفساد أشخاص لا يملكون سلطة رسمية، لكنهم يتصرفون كما لو أن لديهم مفاتيحها.
لا يحتاج الواحد منهم إلى مكتب حكومي أو رتبة رفيعة. يكفيه هاتف أو علاقة بشخص نافذ، أو صورة تجمعه بمسؤول، أو مجرد ادعاء بأنه من المقربين.
ثم تبدأ التجارة..يقول للمواطن: أستطيع أن أنهي معاملتك، وأستطيع أن أوقف قرارك، وأستطيع أن أنقلك، وأستطيع أن أفتح لك بابا.
وبالطبع، لكل «أستطيع» سعر.
والمفارقة أن المواطن الذي يفترض أن تحميه الدولة، يجد نفسه أحيانا مضطرا للبحث عن شخص داخل الدولة أو قريب منها كي يحميه من الدولة نفسها، أو بالأصح من الذين يتاجرون باسمها.
وليس من المنطقي أن نتصور أن هؤلاء ظهروا فجأة..فطالما أن الفساد الكبير مستمر طويلا في مواقع السلطة، فإنه لا يظل محصورا في مكاتب المسؤولين. إنه يتسرب إلى المجتمع، ويخلق حوله طبقة من الوسطاء والسماسرة والمحتالين الذين يتعلمون اللعبة نفسها، وإن بأحجام أصغر.
فحين يرى موظف أن النفوذ يمكن أن يتغلب على القانون، يتعلم الدرس..وحين يرى قريب مسؤول أن مجرد صلته به تمنحه قوة لا تمنحها وظيفته، يتعلم الدرس..وحين يكتشف محتال أن اسم مسؤول قادر على إخافة مواطن، يصبح الاسم نفسه أداة للبيع.
وهكذا يتحول الفساد من ممارسة فردية إلى ثقافة قابلة للتناسل
الكبير قد ينهب بالمليارات، والصغير قد يبتز المواطن بمبلغ بسيط، لكن المنطق واحد:استخدام النفوذ العام لتحقيق منفعة خاصة.
من يدفع الثمن؟!!!
هذه هي الإجابة التي يجب ألا نغفل عنها.
الثمن يدفعه المواطن الذي ينتظر معاملة، والموظف الذي يرفض الرشوة، والتاجر الذي يريد إنجاز إجراء قانوني، والشاب الذي يبحث عن وظيفة، والمريض الذي يحتاج إلى خدمة، والمؤسسة التي تحاول أن تعمل وفق النظام.
فكل رشوة صغيرة تقول للمواطن إن القانون ليس كافيا..ووكل ابتزاز ينجح يقول للموظف النزيه إن النزاهة قد تكون سذاجة..وكل شخص يستخدم اسم مسؤول لتهديد الناس يقتطع قطعة أخرى من هيبة الدولة.
ولهذا فالفساد لا يسرق المال فقط.. إنه يسرق ثقة الناس بالدولة وهذه خسارة لا تظهر في كشف حساب، لكنها قد تكون أغلى من ملايين الدولارات.
من يقف خلف البلطجي؟!!!
من السهل أن نلاحق الشخص الذي يقف في الشارع ويبتز الناس باسم مسؤول.
لكن من الذي جعله واثقًا إلى هذه الدرجة..من أعطاه المعلومات..من سهّل له الوصول إلى الوثائق..من يستطيع التدخل عندما تتوقف معاملته والأهم من ذلك من يحميه عندما يشتكي المواطن؟!!!
هؤلاء لا يخافون من القانون لأنهم يعرفون، أو يعتقدون، أن خلف ظهورهم أشخاصا أو جهات يمكن أن تحميهم، وأن اسم المسؤول الذي يتحدثون باسمه كافي لإرعاب الضحية.
وهنا تكمن الخطورة..فالفساد حين يكون محصورا في مسؤول واحد يمكن ملاحقته ومحاسبته أما حين يتحول إلى ثقافة تتناسل من الأعلى إلى الأسفل، فإننا نكون أمام منظومة كاملة تنتج الفاسدين كما تنتج المؤسسات الموظفين.
والأخطر من كل ذلك أن المواطن يبدأ، مع مرور الوقت، بفقدان ثقته بالدولة نفسها.
حين يذهب إلى دائرة حكومية وهو يعلم أن إنجاز معاملته قد يتطلب وسيطا أو رشوة، وحين يرى شخصا لا يمتلك أي صفة قانونية يتحدث باسم مسؤول كبير، وحين يكتشف أن من يبتزه يستطيع بالفعل الوصول إلى بعض دوائر القرار، فإنه لا يعود يميز بين الدولة والفاسدين الذين اختبأوا داخلها.
وهنا تكون الكارثة الحقيقية.
فالفساد لا يسرق المال فقط، بل يسرق هيبة الدولة.
وبلاطجة الفساد ليسوا سوى النتيجة الطبيعية لفساد أكبر منهم.
هم لم يخترعوا اللعبة، وإنما تعلموها من الذين رأوهم يسرقون الملايين ثم يخرجون من أبواب المؤسسات مرفوعي الرأس، دون أن يسألهم أحد...من أين لكم هذا؟!!
عندما يرى الموظف الصغير أن الكبير ينهب ولا يُحاسب، سيقول في نفسه: لماذا لا أفعل شيئا يشبه ذلك؟
وعندما يرى القريب أن صلته بالمسؤول تمنحه قوة تفوق القانون، سيستخدم تلك الصلة.
وعندما يرى المحتال أن اسم مسؤول كفيل بإسكات الناس، سيبدأ ببيع ذلك الاسم لمن يدفع.
وهكذا تتشكل شبكة غير مرئية تبدأ من قمة الهرم وتنتهي عند أصغر مبتز في الشارع.
لكن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بملاحقة «البلطجي» وحده وترك من يقف خلفه.
فإذا أُلقي القبض على شخص، ثم بقي المسؤول الذي يستند إليه هذا الشخص خارج دائرة التحقيق، فإننا لم نعالج المشكلة، بل عاقبنا الحلقة الأضعف.
والسؤال الحقيقي يجب أن يكون..من أعطاه الثقة و حماه وسهّل له الوصول إلى الوثائق وجعله يعتقد أنه فوق القانون؟!!
ومن أين جاءت الأموال التي يجمعها وإلى من تذهب ومن هم الأشخاص الذين يتصل بهم عندما يريد تهديد مواطن أو تعطيل معاملة؟!!
هذه الأسئلة هي التي تكشف شبكة الفساد الحقيقية.
فالدولة التي تريد أن تحارب الفساد عليها ألا تكتفي بملاحقة اللص الذي يقف عند باب المؤسسة، بل عليها أن تبحث عمن فتح له الباب.
فالفساد الكبير لا يعيش وحده. إنه يحتاج إلى جيش صغير من السماسرة والمحتالين والمزورين والمتنفذين، وهؤلاء هم «بلاطجة الفساد» الذين يتكاثرون عندما يشعرون أن القانون غائب، وأن النفوذ أقوى من الدولة.
أما إذا بقي الفاسد الكبير بعيدًا عن الحساب، فسيستمر في إنتاج صغار الفاسدين ولن تنتهي ظاهرة «بلاطجة الفساد» بمجرد القبض على بضعة أشخاص.
ستنتهي عندما يصبح اسم المسؤول غير قابل للبيع، والمنصب غير قابل للتأجير، والمعاملة غير قابلة للابتزاز، والقانون أقوى من العلاقة.
أما أن يبقى الفاسد الكبير بعيدا عن الحساب، ثم نستغرب ظهور عشرات الصغار الذين يقلدونه، فذلك يشبه أن نغلق باب الغرفة ونترك الحريق يلتهم المبنى.
والمشكلة أن هناك بيئة تجعل البلطجة مربحة، والفساد قابلا للتوريث، والنفوذ أقوى من القانون وعندما يصبح المواطن مضطرا إلى البحث عن رجل يعرف رجلا كي يحصل على حقه، فاعلم أن الفساد لم يعد داخل الدولة فقط.
لقد بدأ يحل محلها...