رياضة

احتفالات صاخبة في إسبانيا بأبطال العالم


       

بعد 39 يوماً و104 مباريات أسدل الستار على أكبر نسخة لكأس العالم بتتويج إسباني مستحق احتشد نحو مليون شخص في العاصمة مدريد لاستقبال المنتخب الإسباني العائد أمس من الأراضي الأميركية، بعد تتويجه بكأس العالم لكرة القدم للمرة الثانية في تاريخه، إثر فوزه المستحق على الأرجنتين حاملة اللقب 1 - 0 في النهائي.

 

وأثار هذا التتويج موجة عارمة من الفخر الوطني في إسبانيا المهووسة بكرة القدم؛ إذ لم يسبق لكثير من المشجعين الشبان أن شاهدوا منتخب الرجال يرفع كأس العالم، لأن لقبه الوحيد تحقق قبل 16 عاماً في نهائيات جنوب أفريقيا 2010.

 

غير أن الحزن خيّم على أجواء النشوة الوطنية الاثنين، بعدما أعلنت السلطات المحلية وفاة مراهق إثر انهيار نافورة كان قد تسلقها مع آخرين للاحتفال بالفوز في غرب البلاد.

 

وتقدمت حافلة اللاعبين المكشوفة الموكب الاحتفالي في وسط مدريد بداية من محيط قصر مونكلوا، المقر الرسمي لرئيس الوزراء، وصولاً إلى ساحة سيبيليس المكان التقليدي لتجمع مشجعي كرة القدم واحتفالاتهم.

 

وأعادت احتفالات الأمس إلى الأذهان المشهد الذي أعقب أول تتويج لإسبانيا بكأس العالم عام 2010، عندما غصّت شوارع مدريد بمئات آلاف المشجعين الذين خرجوا لاستقبال المنتخب عقب عودته من جنوب أفريقيا.

 

وكانت العاصمة الإسبانية ومدينة برشلونة وغيرها، قد عجت بالاحتفالات عقب إطلاق الحكم صافرة النهاية للمباراة الختامية منتصف ليلة أول من أمس (بتوقيت غرينيتش)، حيث تدفق آلاف المشجعين للشوارع حاملين الأعلام، ودوت أبواق السيارات وأضاءت الألعاب النارية السماء، مرددين: «كامبيونيس، كامبيونيس! (أبطال، أبطال!)».

 

التتويج الإسباني انتصار لكرة القدم

بعد 39 يوماً و104 مباريات، أسدل الستار على أكبر نسخة في تاريخ كأس العالم، وبتتويج إسباني عن جدارة بعد سيطرة تامة على مجريات المباراة النهائية أمام فريق أرجنتيني عاجز تماماً عن تشكيل أي خطورة، سواء في الوقت الأصلي أو الشوطين الإضافيين. وخلال الـ90 دقيقة الأولى، شن المنتخب الإسباني 20 هجمة مباشرة على مرمى الأرجنتين، بينما عجز المنافس بقيادة المهاجم الأسطوري ليونيل ميسي، عن تسديد أي كرة على المرمى الإسباني حتى الدقيقة الـ117 بمحاولة من الأخير علت العارضة.

 

واعتمدت الخطة الأرجنتينية على دفاع صارم مع تعمد ارتكاب أخطاء متتالية لتعطيل الهجمات الإسبانية دون القدرة على تشكيل أي مرتدات هجومية خطيرة، مما جعل الحارس الأرجنتيني إيميليانو مارتينيز أكثر لاعبي فريقه لمساً للكرة طوال الوقت الأصلي للمباراة.

 

ووفقاً للإحصائيات، سجل المنتخب الأرجنتيني سابقة سلبية أولى لفريق يصل إلى النهائي منذ بدء جمع البيانات في عام 1966، ولم يتكرر هذا المشهد المتمثل في إنهاء مباراة كاملة بالمونديال دون تسديدة واحدة على مرمى الخصم سوى في 3 مناسبات فقط عبر التاريخ؛ حيث كان منتخب كوستاريكا هو الوحيد الذي حقق هذا الرقم السلبي مرتين سابقاً؛ الأولى أمام البرازيل في مونديال 1990، والثانية أمام إسبانيا نفسها في مونديال 2022. ولم تتوقف الأرقام الصادمة لمنتخب التانغو عند غياب التسديدات؛ بل أنهى الفريق الوقت الأصلي للمباراة بأقل نسبة استحواذ في تاريخ مشاركاته بالمونديال منذ عام 1966، بنسبة 34 في المائة فقط، قبل أن يسقط بهدف البديل الإسباني فيران توريس في الشوط الإضافي الثاني لتتوج إسبانيا باللقب.

 

ويرى النجم الألماني السابق توني كروس الفائز باللقب العالمي عام 2014، أن تتويج المنتخب الإسباني هو «فوز لكرة القدم»، في إشارة إلى مشوار الأرجنتين الجدلي للنهائي، واتهامات للتحكيم بمجاملة ميسي وفريقه.

 

لقد خسرت الأرجنتين لقبها، كما أن المشاهد التي أعقبت صافرة النهاية جعلت الكثيرين يشعرون بأنها قد فقدت كرامتها أيضاً.

 

لقد تعرض الأرجنتيني إنزو فرنانديز للطرد بعد تلقيه بطاقة إنذار ثانية لتدخل عنيف ضد الإسباني باو كومبارسي قبل نهاية الوقت الأصلي للمباراة. وبعد صافرة النهاية، تهجم الأرجنتيني لياندرو باريديس على كل من إيرك غارسيا وجافي، ووجه لهما لكمات على مرأى من الحكم المساعد، كما شوهد زميله ناهويل مولينا وهو يوجه لكمة لأحد لاعبي إسبانيا المارين.

 

وعلق واين روني نجم إنجلترا السابق على المشهد قائلاً: «من المُخجل رؤية مثل هذه التصرفات بعد انتهاء المباراة. لقد تُوّج أحد المنتخبين بطلاً لكأس العالم، وبالتالي فرؤية مثل هذه التصرفات غير مقبولة».

 

بينما قال جو هارت، حارس مرمى إنجلترا السابق: «لا يحق للأرجنتين الاعتراض على ما حدث. إنه سلوك مُشين».

 

ولم تكتفِ إسبانيا بالتتويج بالكأس، فقد هيمنت على الجوائز الفردية أيضاً، حيث حصل رودري على جائزة أفضل لاعب بالبطولة، وباو كوبارسي على جائزة أفضل لاعب شاب، وأوناي سيمون على جائزة أفضل حارس مرمى. ولم تفوتها سوى جائزة الحذاء الذهبي، التي ذهبت إلى الفرنسي كيليان مبابي.

 

وبهذا التتويج، فرضت إسبانيا هيمنتها المطلقة على الخريطة العالمية بعدما جمعت بين تاجي كأس أمم أوروبا وكأس العالم في آن واحد، وهو إنجاز نادر لم يتكرر عبر التاريخ سوى مرتين فقط؛ الأولى كانت باسم ألمانيا الغربية، والثانية دونتها إسبانيا نفسها لتصبح أول دولة في التاريخ تحقق هذه الثنائية مرتين. وكانت البداية الإسبانية الأولى في الحقبة الممتدة بين عامي 2008 و2012، والآن تتكرر السلسلة الذهبية بعد إحراز لقب «يورو 2024» ثم لقب المونديال.

 

التمسك بالهوية ومدرسة الاستحواذ

لقد أثبتت إسبانيا بفوزها على الأرجنتين تمسكها بهويتها القائمة على الاستحواذ بالتمرير، واستكشاف الثغرات وحماية الكرة والتعامل معها كما لو كانت كنزاً وطنياً، رافضة الاستسلام للذعر، بينما كانت الأرجنتين تتحصن وتتراجع معظم فترات اللقاء.

 

وفي النهاية، وبشكل يليق بفريق مبني على فكرة اللعب الجماعي، جاء هدف الفوز من مقاعد البدلاء؛ فقد أعد الهدف وسجله البديلان نيكو وليامز وفيران توريس، وهي المرة الثالثة في مراحل خروج المغلوب التي يسجل فيها بديل الضربة الحاسمة لإسبانيا.

 

كان ذلك أبلغ تعبير عن شخصية فريق المدرب لويس دي لا فوينتي من أي رسم خططي أو شرح فني؛ فهذا الفريق لا يقوم على أفراد يطالبون بالأضواء، بل يعمل بوصفه أوركسترا متناغمة يحفظ جميع أفرادها النغمة نفسها عن ظهر قلب، حتى أولئك الذين ينضمون إليها في مراحل متأخرة.

لقد أنهت إسبانيا المباراة النهائية بنسبة استحواذ تجاوزت 65 في المائة، و12 تسديدة على المرمى من 20 محاولة، وعدد تمريرات ناجحة يزيد على ضعف ما حققته الأرجنتين، التي سددت مرة وحيدة قرب نهاية الوقت الإضافي الثاني وبعيداً عن المرمى.

 

لكن الهيمنة الإسبانية على مجريات اللعب، كشفت مرة أخرى عن ثغرتها التقليدية المتمثلة في افتقارها إلى مهاجم صريح من الطراز الكلاسيكي، بعدما أهدرت العديد من الفرص التي نجحت في صناعتها.

 

لكن إذا كان افتقار إسبانيا إلى مهاجم حاسم لا يرحم أمام المرمى لا يزال يشكل نقطة ضعفها، فإنه يظل الثغرة الوحيدة تقريباً في فريق تحيط به حالة من اليقين والثقة الجماعية في مختلف خطوطه.

 

فلم يكن تتويج إسبانيا قائماً على تألق هدّاف واحد أو قدمٍ بعينها. فقد توزعت أهدافها الـ14 في 8 مباريات على 8 لاعبين مختلفين، في انعكاس لنجاحها في بطولة أوروبا 2024، حين سجلت رقماً قياسياً في البطولة بإحراز 16 هدفاً تناوب على تسجيلها 10 لاعبين.

 

كما أدى الفوز على الأرجنتين إلى تمديد سلسلة عدم الهزيمة إلى 38 مباراة، متجاوزة بذلك رقم إيطاليا القياسي، ومؤكدة هيمنتها على كرة القدم الدولية على مدى 3 سنوات. كما كان هذا الفوز بمثابة انتصار شخصي للمدرب دي لا فوينتي، الذي أمضى معظم مسيرته التدريبية في صفوف فرق الشباب التابعة للاتحاد الإسباني لكرة القدم، ونجح في أن يحوّل تلك الفترة الطويلة من التلمذة والصبر إلى أكبر جائزة في عالم كرة القدم.

 

كما أن منتخب إسبانيا الحالي هو انعكاس للبلد نفسه، الذي يتألف من مناطق ولهجات وهويات مختلفة، فهناك مجموعة من اللاعبين من إقليم الباسك؛ مثل مايكل أويارزابال وسيمون ومايكل ميرينو، يتشاركون الملعب مع بورخا إغليسياس من جاليسيا، وتوريس من فالنسيا، ورودري من مدريد، وفابيان رويز وجابي من الأندلس، وبيدري من جزر الكناري. كما أن كوبارسي ومارك كوكوريا اثنان من بين 9 لاعبين ولدوا في كاتالونيا، بينما يجسد لامين يامال ونيكو وليامز نجاح سياسة الهجرة وصورة إسبانيا الحديثة الأكثر تنوعاً.

 

ولطالما كان ثراء هذا البلد يكمن في تكوينه من أمم أصغر، لكل منها تاريخها الخاص. وفي النهائي العالمي، لم تختفِ تلك الاختلافات؛ بل أكدت ببساطة على كونها ميزات وليست عقبات أمام الفريق.

 

لقد حققت كرة القدم، لليلة واحدة على الأقل، ما عجزت السياسة عن تحقيقه في كثير من الأحيان، وجعلت إسبانيا تشعر بالتكامل والوحدة.

 

سحر ميسي يتوقف

 

وفي الجانب الأرجنتيني، فقد توقف سحر القائد الأسطوري ليونيل ميسي الذي كان محور نجاحات الفريق في مشواره حتى النهائي، بعدما تم عزله تماماً من قبل مدافعي إسبانيا.

 

وبعد 20 عاماً من ظهوره الأول في كأس العالم، ومسيرة كروية جعلته يتفوق على البرازيلي بيليه ومواطنه دييغو مارادونا في نظر كثيرين باعتباره أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم، لم يتمكن النجم الأرجنتيني، البالغ من العمر 39 عاماً، من تحقيق المعجزة وقيادة منتخب بلاده للحفاظ على اللقب في إنجاز لم يتكرر منذ نصف قرن. وبعد أن قاد الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022 بالفوز على فرنسا في النهائي، بين لقبين متتاليين في «كوبا أميركا»، لم يجد ميسي هذه المرة سوى أن يخفض رأسه، ويعض على شفتيه باكياً.

 

وأقرت الصحافة الأرجنتينية بالهزيمة في النهائي أمام «منتخب إسباني متفوق بشكل واضح»، معتبرة أنها تمثل «نهاية الحلم»، لكنها ركزت بصورة أساسية على دموع نجمها ليونيل ميسي.

 

وعنونت صحيفة «لا ناسيون»: «نهاية الحلم، الأرجنتين صمدت إلى أقصى ما استطاعت»، مرفقة العنوان بصورة رئيسية للدموع التي ذرفها القائد.

 

وكتبت الصحيفة في مقالها الافتتاحي: «صمد فريق المدرب ليونيل سكالوني لما يقارب ساعتين بفضل الأداء الاستثنائي للحارس إيميليانو مارتينيز، لكنه استسلم في نهاية المطاف خلال الدقائق الأخيرة من المباراة».

 

أما صحيفة «باغينا 12» فعنونت: «شكراً لسكالونيتا (لاعبو المدرب ليونيل سكالوني): لم يتبقَّ سوى الأفراح والذكريات، ولوقت ما، الندم».

 

من جهته، أشار موقع «إنفوباي» إلى أن «الأرجنتين قاتلت حتى النهاية، لكنها لم تنجح أبداً في فرض أسلوب لعبها، رغم كل شيء، كأس عالم رائعة جديدة».

 

كما اعترفت صحيفة «كلارين» بـ«تفوق إسبانيا»، ووجهت التحية للحارس إيميليانو مارتينيز الذي أظهر أنه ركن أساسي في المنتخب الأرجنتيني.

 

أما «باغينا 12»، فكانت أكثر حدة، ووصفت أداء الأرجنتين بأنه «مباراة سيئة جداً»، مؤكدة أنها «لم تصمد إلا بفضل تصديات مارتينيز وإسبانيا بطلة عن جدارة».

 

وخصصت جميع وسائل الإعلام الأرجنتينية تقريباً مقالاً منفصلاً لدموع ميسي، بعدما تسلم ميداليته الفضية فيما قد تكون مباراته الأخيرة بقميص المنتخب الوطني.

 

وكتبت «كلارين»: «حيّا ميسي لاعبين إسبانيين، ثم بقي وحيداً وصامتاً جالساً في وسط الملعب. وبعد فترة، خلع حذاءه وجوربيه، وابتلع ألمه بصمت. في البداية لم يبكِ. أظهر صلابة، لكن عندما مر أمام الكأس ونزل من على المنصة، وبينما كانت الجماهير تهتف في المدرجات: ميسي! ميسي!، انفجر ليو بالبكاء».

 

كما تناولت صحيفة «أوليه» الرياضية دموع ميسي، مشيرة أيضاً إلى حزن سكالوني و«بكائه الذي لا يتوقف وشكوكه بشأن مستقبله».