وثيقة شرعية نادرة من القرن السابع عشر تضيء تاريخ القضاء والعلاقات بين عدن ويافع
تعد هذه الوثيقة التاريخية النادرة الصادرة في الثالث عشر من جمادى الأولى عام 1084هـ الموافق السادس والعشرين من أغسطس عام 1673م مصدراً أولياً ذا قيمة عالية لدراسة التاريخ الاجتماعي والقضائي والاقتصادي لمدينة عدن وبلاد يافع خلال القرن السابع عشر الميلادي حيث جاءت مكتملة الأركان الشرعية ومقترنة بتصديق وختم نائب الشريعة في عدن القاضي عمر بن علوي بن حسن الحسيني مما يثبت وجود مؤسسة قضائية رسمية متكاملة تتولى الإشراف على العقود والوصايا وتوثق أسماء رجال القضاء في تلك المرحلة المبكرة.
وتتطرق الوثيقة إلى تنفيذ وصية المتوفى معوضة بن محمد الحضرمي بعدن المحروسة والذي أسند قبل وفاته إلى زوجته هدية بنت معوضة الجعدي إدارة أمور تجهيزه وقضاء ديونه الثابتة وهو ما يعكس الوعي الشرعي بتقديم قضاء الديون وتنفيذ الوصايا على توزيع التركة كما يبرز المكانة العالية والثقة المطلقة التي حظيت بها المرأة داخل الأسرة وقدرتها على إدارة الشؤون المالية والشرعية بأهلية كاملة ودون وصاية.
ونظراً لإقامة الزوجة الدائمة في عدن وصعوبة الانتقال إلى بلدة الفردة بيافع لتفقد أملاك زوجها في ظل مشقة وسائل النقل القديمة فقد مارست حقها القانوني بكل حرية عبر توكيل علي بن موجر اليافعي لبيع الأراضي الزراعية المملوكة لزوجها حيث جاء اختيار الوكيل بناءً على درايته بأحوال المنطقة وأسعارها ومكانة أسرته العريقة التي عرفت بالفقه والتدوين إضافة إلى ما يتمتع به من أمانة وكفاءة تحفظ حقوق الورثة.
وقد جاءت صياغة الوكالة بألفاظ قانونية ودقيقة نصت على بيع الأرض من ساقي وضاحي لتشمل الأراضي المروية والمطارية كافّة ببيع بات ومفوض تفويضاً جامعاً مانعاً مع اشتراط التحري في تحقيق أفضل سعر وأعلى منفعة مالية وإرسال الثمن عبر شخص موثوق تحت رقابة الشرع مما يعكس تطبيقاً مبكراً لمبادئ الأمانة والمسؤولية الائتمانية لحفظ الأموال.
وشهد على إبرام الوكالة تسعة شهود من شخصيات اجتماعية بارزة تنتمي لآل البعسي وآل موجر والحالمي وهو عدد يعكس الحرص على توثيق المعاملات ومنع النزاعات كما تؤكد الوثيقة بعناصرها المختلفة عمق الروابط الاجتماعية والاقتصادية الممتدة بين عدن ويافع والمناطق المجاورة مما يجعلها وثيقة استثنائية تسهم في ردم الفجوة التاريخية لتوثيق تلك المرحلة.