عيدروس المدوري يفضح تجار الوهم: الإعلامي الساقط يبحث عن عرشه المفقود على حساب الوعي
أكد الكاتب السياسي عيدروس المدوري أنه في زمن الضجيج الرقمي لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الحقيقة أو مناقشة الأفكار بل تحول لدى البعض إلى منصة لبيع المخدر اللذيذ وصناعة البطولات الزائفة مشيراً إلى أن الأزمة لم تعد في وجود إعلاميين يمارسون التضليل فهؤلاء موجودون في كل عصر بل الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يصل الإعلامي إلى مرحلة الخطورة المطبقة وهي أن يصدق كذبته الخاصة ويتوهم أنه مرشد الأمة المخلص.
وأوضح عيدروس المدوري أنه إذا حفرنا عميقاً خلف قناع هذا النوع من الإعلاميين سنجد أن أصل الداء في كثير من الأحيان لا يرتبط بالجهل وحده بل بحسرة المصالح الضائعة مبنياً أن أغلب هؤلاء هم ممن ذاقوا طعم النفوذ والمكاسب في فترة ما ثم دارت الأيام وفقدوا حظوتهم وتراجعت مكانتهم وبدلاً من المراجعة الذاتية والتنحي بشرف يرفض الإعلامي المستفيد سابقاً الاعتراف بالهامش فيلجأ إلى الكذب والتضليل كطوق نجاة يحاول به استعادة ما ذهب عبر إعادة تدوير الذات وافتعال المعارك ونسج الأكاذيب ليصنع لنفسه مكاناً في الضوء مجدداً وإيهام النفس بالقيمة ليعوض مرارة التهميش فيوهم نفسه بأنه لا يزال مهماً وذا قيمة لدى الشعب وأن الناس ينتظرون توجيهاته بفارغ الصبر إضافة إلى تصفية الحسابات بتحول خطابه إلى انتقام مستتر من الواقع الذي حرمه من امتيازاته السابقة.
وأضاف المدوري أن أشد أنواع الدجل خطورة هو ذلك الذي يمتزج برغبة حميمة في استعادة عرش مفقود حيث تتحول الأكاذيب إلى وقود لاستعادة المجد الضائع ولو على جثث الحقائق مؤكداً أن القصة تبدأ برغبة محشورة في استعادة الأضواء يدرك معها هذا الإعلامي أن العودة عبر الحقائق الملموسة والتحليل الموضوعي تتطلب جهداً ووقتًا وقد لا تعيد له الامتيازات القديمة بسرعة بينما بيع الوهم هو البضاعة الأكثر ربحاً والأسرع انتشاراً حيث يتغذى على أمنيات الناس المعطلة وشغفهم بالحلول السحرية فيصنع لهم أعداء وهميين وينسج بطولات لا وجود لها ومع مرور الوقت وتكرار الرواية المزيفة يحدث التحول الخطر فتتلاشى الحدود في عقله بين حقيقة موقعه الحالي الوضيع وبين الوهم الذي يبيعه للجماهير.
وأشار المحلل عيدروس المدوري إلى وجود ما أسماه القطيع المخدر الذي يشكل الوقود الذي يغذي الوهم إذ لا يستطيع تجار الوهم الاستمرار يوماً واحداً لولا وجود أرضية خصبة من المتابعين والسرابيين فحين يلتف حول الإعلامي آلاف المخدرين الذين يلغون عقولهم ويتتبعون سقطاته بالتهليل فإن هذا التصفيق الحاد يتحول إلى مخدر يجعله يستشعر قيمة وهمية لم تعد موجودة في الواقع مهما تم تصويرها وهو ما يؤدي إلى إلغاء التفكير النقدي فيتحول المتابع من مستهلك واع للخبر إلى مريد يصفق لحسرة الإعلامي ونرجسيته إلى جانب تغذية الغرور فعندما يرى الإعلامي ألوف المشاركات المؤيدة يشعر بعصمة وهمية تجعله يصدق أن الشعب بالفعل يناديه ويعول عليه بينما هو في الحقيقة مجرد ظاهرة صوتية تعيش على أطلال الماضي.
وحذر الكاتب السياسي في ختام حديثه من الفاتورة الباهظة الناتجة عن تزييف الوعي الجمعي مشدداً على أن تسيد هؤلاء الإعلاميين الباحثين عن منافعهم القديمة للمشهد ليس مجرد حالة فردية بل هو سوس ينخر في عظام المجتمع من خلال تسطيح العقول بتغييب القضايا الحقيقية واستبدال التحليل الموضوعي بالصراخ والانفعال وتصفية الحسابات الشخصية وصناعة البطولات الزائفة بإيهام الناس بأشخاص انتهت صلاحيتهم الوطنية والمهنية وإعادة تقديمهم كمنقذين فضلاً عن انهيار الثقة بضياع أصوات الصادقين والمتخصصين وسط ضجيج الباعة المتجولين للوهم والمستمتعين بالتصفيق الكاذب لافتاً إلى أن الاستفاقة من هذا المخدر الجماعي تبدأ من الفرد نفسه بامتلاك المصفاة النقدية والتوقف عن معاملة هؤلاء كأنبياء الجيل وإدراك أن كثيراً ممن يصرخون على الشاشات والمنصات لا يبكون على قضايا الشعوب بل يبكون على مصالحهم الضائعة ومكانتهم التي تلاشت وسيبقى بائع الوهم يمارس طقوسه ويتغذى على تصفيق المخدرين ليقنع نفسه بأنه مهم حتى يقرر الجمهور أن يفتح عينيه على الحقيقة وحينها فقط سيكتشف ذلك الإعلامي أنه لم يكن سوى خيال مآتة يبكي على زمنه الغابر.