تقرير - عين عدن - خاص :
لم تكن الهجمات التي شنتها مليشيا الحوثي بطائراتها المسيرة على موانئ تصدير النفط الخام في حضرموت وشبوة مجرد عمليات عسكرية خاطفة، بل كانت بداية لمرحلة إرهاب اقتصادي مُمنهج استهدف تقويض الموارد السيادية للدولة.
أطلق ناشطون وإعلاميون يمنيون حملة إعلامية واسعة وهاشتاجات متصدرة لكشف أبعاد هذه الجريمة، موضحين أن ضرب منشآت التصدير هدف بالأساس إلى سلب الحكومة قدرتها على الإيفاء بأدنى التزاماتها تجاه المواطنين.
الواقع الرقمي والميداني يظهر أن استهداف مينائي "الضبة" و"النشيمة" تسبب في شلل تام لعمليات إنتاج وتصدير الخام، وهو ما حرم الدولة فوراً من تدفقات مالية كانت تغطي نحو 70% من الإيرادات العامة.
هذا الفقدان المفاجئ للشريان المالي الأساسي أدخل المنظومة الخدمية في حالة عجز مركب، حيث انعكس التوقف المباشر لموارد النفط على كفاءة شراء المشتقات لتشغيل محطات الكهرباء، وعطّل الانتظام في صرف أجور موظفي القطاع العام.
وبينما يتداول الخطاب السائد تداعيات الأزمة على أرقام الموازنة، فإن القراءة العميقة للأزمة تشير إلى سلوك خطير يعتمد "العقاب الجمعي".
المليشيا لم تستهدف البنية التحتية لحرمان الحكومة من السيولة فحسب، بل سعى هذا المخطط إلى هندسة أزمة إنسانية شاملة تُحدث سخطاً شعبياً في المناطق المحررة، وتُجبر السلطات على تقديم تنازلات سياسية واقتصادية تحت ضغط الشارع والإيفاء بالمتطلبات الخدمية.
استهداف المنشآت.. تدمير للسيادة الشاملة تحت غطاء حماية الثروة
حاولت الآلة الإعلامية للمليشيا التسويق لهجماتها على أنها خطوة لـ "حماية الثروة الوطنية"، غير أن الوقائع الميدانية تفند هذا الطرح بشكل كامل. الضربة المباشرة لموانئ التصدير لم تكن سوى استراتيجية لضرب شريان الاقتصاد الوطني وإعادة تشكيل قواعد اللعبة الاقتصادية لصالح سلطة الأمر الواقع في صنعاء.
النتيجة الفعلية لتلك الضربات لم تكن سوى تجفيف موارد الدولة الشرعية ومضاعفة المعاناة المعيشية للسكان. وفي الوقت الذي يحرم فيه المواطنون في المحافظات المحررة من الخدمات الأساسية، تواصل المليشيا تحصيل مليارات الريالات من الجمارك والضرائب والجبايات في مناطق سيطرتها، دون أن تخصص منها ريالات واحد لخدمة المواطن أو صرف الرواتب.
الضغط الدولي الغائب.. تداعيات التغاضي الأممي عن استهداف المقدرات
واجه الموقف الدولي تجاه استهداف المنشآت النفطية انتقادات واسعة من الأوساط الإعلامية والصحفية. الاكتفاء ببيانات الإدانة الروتينية دون اتخاذ إجراءات عقابية ملموسة أرسل رسائل خاطئة للمليشيا، وأتاح لها هامشاً أوسع للتمادى في استهداف مقدرات الشعب اليمني وبنيته التحتية.
هذا التراخي الدولي لم يقتصر أثره على الملف الاقتصادي، بل امتد ليشكل تهديداً أمنياً خطيراً للملاحة البحرية وإمدادات الطاقة في المنطقة. تصنيف هذه الاعتداءات كـ "جرائم حرب اقتصادية" وفرض عقوبات دولية مشددة على القيادات المتورطة أضحى مطلباً رئيساً لضمان عدم تكرار استهداف المنشآت السيادية وإجبار المليشيا على الانصياع لمتطلبات السلام.
تكتيكات الخنق المالي.. حرب ناعمة تتجاوز حدود الجبهات
تتجاوز خطورة الاعتداءات الحوثية على الموانئ مفهوم الهجمات العسكرية العابرة، لتصنف كـ "حرب شاملة إيجازية" تستهدف تجويع المجتمع. تعتيم المليشيا على الأهداف الحقيقية للضربات يهدف إلى صرف أنظار الشارع عن الجباية الممنهجة التي تمارسها وتوجيه الغضب نحو مؤسسات الدولة التي باتت بلا موارد.
تدمير قدرة الدولة على التصدير أدى بشكل مباشر إلى تراجع القوة الشرائية للعملة المحلية وزيادة معدلات التضخم، مما ضاعف الأعباء المعيشية على ملايين الأسر. هذه السياسة تهدف بالأساس إلى تفكيك الركائز الاقتصادية للدولة وتجريدها من أوراق القوة المالية اللازمة إدارة الأزمات الخدمية.
شباك الأمان الاقتصادي.. كيف خفّض الدعم الخارجي من شدة الارتطام..؟
أظهرت التطورات المتلاحقة أن تداعيات توقف التصدير كانت ستؤدي إلى انهيار شامل للمنظومة المالية لولا التدخلات العاجلة الشريكة. حزمة الدعم والودائع المالية والمشاريع التنموية التي قدمتها الأشقاء ساعدت في توفير الحد الأدنى من الاستقرار المالي ومنعت التوقف الكامل للقطاعات الحيوية.
امتصت هذه المنح المشتقات النفطية والودائع المالية صدمة الانقطاع الفوري لإيرادات الخام، مما أتاح استمرار تشغيل البنية التحتية والحد من الانهيار السريع للعملة. ورغم أن هذا الدعم شكل شريان حياة مؤقت للسكان، إلا أن المعالجة الجذرية تبقى مرهونة بإعادة استئناف التصدير وتأمين المنشآت النفطية بشكل كامل ضد أي اعتداءات مستقبلية.