الدكتور علي ناصر الزامكي يكتب: كيف تستعيد الحكومة ثقة المواطن عبر الأداء المؤسسي..؟
أكد الدكتور علي ناصر سليمان الزامكي أستاذ الإدارة المالية المشارك ومساعد نائب رئيس جامعة عدن لشؤون الطلاب أن بناء الدولة يبدأ من المؤسسة، مشيرًا في المقال الخامس من سلسلة مقالاته حول القدرات المؤسسية والإصلاح والتنمية المستدامة إلى أن المواطن لا يطلب من مؤسسات الدولة أن تكون مثالية، لكنه يتطلع إلى أن تكون عادلة وكفؤة وتحترم وقته وكرامته، ومن هنا تبدأ الثقة.
وأضاف الأستاذ الدكتور علي ناصر الزامكي أن الثقة ليست مفهومًا مجردًا، ولا شعارًا سياسيًا، ولا حملة إعلامية يمكن إطلاقها بين حين وآخر، بل هي حصيلة تراكمية لما يعيشه المواطن في كل مرة يتعامل فيها مع مؤسسة عامة، فكل خدمة تُنجز بكفاءة، وكل إجراء يُطبق بعدالة، وكل قرار يُتخذ بشفافية يضيف لبنة جديدة في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وأوضح الزامكي أن ثمة حقيقة كثيرًا ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الثقة لا تُمنح للمؤسسات، بل تكتسبها المؤسسات من خلال أدائها، فالمواطن لا يحكم على الدولة من خلال ما يُكتب في الخطط والاستراتيجيات، وإنما من خلال ما يراه ويلمسه في حياته اليومية.
وبين الدكتور علي الزامكي أنه من هذا المنطلق فإن الأداء المؤسسي لا يقتصر على تنفيذ الإجراءات، بل يمثل الوسيلة التي تتحول من خلالها قيم الدولة إلى ممارسات، فالعدالة تظهر في تطبيق الأنظمة على الجميع، والكفاءة تتجسد في سرعة وجودة الخدمة، والنزاهة تنعكس في وضوح القرار وخضوعه للمساءلة، والاحترام يتجلى في طريقة التعامل مع الإنسان قبل معاملته.
وأشار أستاذ الإدارة المالية المشارك الدكتور الزامكي إلى أنه غالبًا ما تُناقش الثقة بين الدولة والمجتمع بوصفها قضية سياسية أو اجتماعية، بينما هي في جانب كبير منها قضية مؤسسية، فالثقة لا تتكون في الفراغ، بل تنشأ عندما يلمس المواطن أن المؤسسات تؤدي وظائفها بكفاءة واستمرار وعدالة.
ولفت الدكتور علي ناصر سليمان الزامكي إلى أن الأداء المؤسسي هو اللغة التي يفهمها المواطن، فقد تختلف الآراء حول السياسات أو الأولويات، لكن المواطن يتفق على معيار بسيط وواضح، وهو كيف تؤدي المؤسسة عملها، فحين يجد أن الإجراءات مفهومة، وأن الحصول على الخدمة لا يتطلب جهدًا غير مبرر، وأن الموظف يتعامل معه باحترام، وأن النظام يُطبق على الجميع دون استثناء، فإنه يشعر بأن المؤسسة تعمل لمصلحته، وأن الدولة حاضرة في حياته بصورة إيجابية.
وحذر مساعد نائب رئيس جامعة عدن الدكتور الزامكي من أنه عندما تصبح الإجراءات معقدة، أو تختلف المعاملة من شخص لآخر، أو تغيب المساءلة، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن تكون معاكسة، مهما كانت الخطط أو التصريحات الرسمية طموحة.
وذكر الدكتور علي ناصر الزامكي أنه بناءً على ذلك يمكن القول إن الأداء المؤسسي هو اللغة اليومية التي تتحدث بها الدولة إلى مواطنيها، فإذا كانت هذه اللغة واضحة ومنظمة وعادلة نشأت الثقة، وإذا اتسمت بالتعقيد أو التناقض تراجعت الثقة تدريجيًا.
وشدد الزامكي على أن استعادة الثقة ليست مشروعًا إعلاميًا، بل مشروع إصلاح مؤسسي يقوم على مجموعة من المرتكزات المتكاملة، من أهمها تبسيط الإجراءات حتى تصبح الخدمات سهلة الفهم وسريعة الإنجاز، وتعزيز الشفافية بإتاحة المعلومات ووضوح معايير اتخاذ القرار، وترسيخ المساءلة بما يضمن معالجة الأخطاء والتعلم منها، والاستثمار في الكفاءات البشرية لأن جودة الخدمة تبدأ بمن يقدمها، والاعتماد على قياس الأداء ورضا المستفيدين بوصفهما أدوات مستمرة للتحسين.
ويرى الدكتور علي الزامكي أنه عندما تعمل هذه العناصر في إطار واحد تتحول الثقة من أمنية إلى نتيجة طبيعية لأداء مؤسسي ناضج، فالثقة رصيد وطني لا تقتصر أهميته على تحسين العلاقة بين المواطن والمؤسسة، بل تمتد آثاره إلى الاقتصاد والتنمية والاستقرار، فالمجتمعات التي تثق بمؤسساتها تكون أكثر استعدادًا للتعاون مع برامج الإصلاح، وأكثر التزامًا بالأنظمة، وأكثر مشاركة في تحقيق المصلحة العامة.
وأكد الأستاذ الدكتور علي الزامكي أنه من هنا فإن الثقة ليست قيمة معنوية فحسب، بل هي رأس مال وطني يسهم في رفع كفاءة الدولة، ويعزز فاعلية السياسات العامة، ويهيئ بيئة أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة.
ونبه الدكتور علي ناصر الزامكي إلى أنه في بلادنا، كما في كثير من الدول التي مرت بظروف استثنائية، لا تقتصر الحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية أو تنشيط الاقتصاد، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، فالثقة لا تُستعاد بمرور الوقت وحده، وإنما تتطلب أداءً مؤسسيًا يثبت للمواطن يومًا بعد يوم أن مؤسساته أصبحت أكثر قدرة على خدمته، وأكثر التزامًا بالعدالة والكفاءة والشفافية.
وأضاف الزامكي أن المواطن لا يقيس نجاح برامج الإصلاح بعدد الخطط أو الوثائق الصادرة، وإنما بما ينعكس على حياته اليومية، ولذلك فإن كل تحسن في جودة الخدمات العامة، وكل تبسيط للإجراءات، وكل التزام بالمواعيد، وكل استجابة للشكاوى، يمثل رسالة عملية تؤكد أن الإصلاح أصبح واقعًا لا مجرد إعلان.
وأوضح الدكتور الزامكي أنه لهذا السبب فإن استعادة الثقة ينبغي أن تُدرج ضمن أهداف الإصلاح المؤسسي نفسها، وأن تُقاس بمؤشرات واضحة مثل مستوى رضا المستفيدين، وسرعة إنجاز الخدمات، وجودة الأداء، ومدى الالتزام بالشفافية والمساءلة، فالثقة ليست مفهومًا مجردًا، بل نتيجة يمكن تعزيزها وقياسها عندما تتوافر الإدارة القادرة والإرادة الجادة.
واستطرد الدكتور علي ناصر سليمان الزامكي أنه عندما يصبح الأداء المؤسسي ثقافة يومية لا استجابة مؤقتة، تتحول الثقة إلى رصيد يتراكم مع الزمن، ويعزز الاستقرار، ويدعم التنمية، ويقوي العلاقة بين الدولة والمجتمع، وعندها لا يشعر المواطن بأن المؤسسة تمارس سلطتها عليه، بل يشعر بأنها تؤدي رسالتها من أجله.
وختم الدكتور علي الزامكي مقاله بالتأكيد على أن هذه السلسلة انطلقت من فكرة أن بناء الدولة يبدأ من بناء المؤسسة، ثم أوضحت أن الفرص لا تكفي من دون قدرة على التنفيذ، وأن الدولة تُقاس بقوة مؤسساتها، وأن التعافي الاقتصادي يبدأ من جاهزية هذه المؤسسات، ويأتي هذا المقال ليؤكد أن نجاح كل تلك الجهود يظل مرهونًا بعامل حاسم هو ثقة المواطن.
وجدد الزامكي تأكيده على أن الثقة ليست مكافأة تمنحها المجتمعات لمؤسساتها، بل هي ثمرة أداء مؤسسي يتسم بالكفاءة والعدالة والشفافية والاستمرارية، وكلما نجحت المؤسسة في تقديم خدمة أفضل، وتعامل أكثر احترامًا، وإجراءات أكثر وضوحًا، ازداد رصيد الثقة وتعززت قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها وتحقيق أهدافها.
واختتم أستاذ الإدارة المالية الدكتور علي الزامكي بالقول إن بناء الثقة لا يبدأ من حملات إعلامية، ولا ينتهي بإصدار تعليمات جديدة، وإنما يبدأ من داخل المؤسسة نفسها، من قيادتها وأنظمتها وثقافتها وطريقة عملها، وعندما يصبح الأداء المؤسسي الجيد هو القاعدة تتحول الثقة من أمنية إلى واقع، ومن شعار إلى قوة دافعة للإصلاح والتنمية، فالدول لا تكسب ثقة مواطنيها بما تعد به، بل بما تنجزه لهم كل يوم.
ووجه الدكتور علي ناصر سليمان الزامكي رسالة إلى صانع القرار مفادها أنه إذا كانت الثقة تمثل أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإن أفضل طريق لبنائها هو تحسين الأداء المؤسسي بصورة مستمرة، ويمكن أن يبدأ ذلك من خلال ثلاث خطوات عملية، أولها اعتماد جودة الخدمة ورضا المستفيدين مؤشرين رئيسيين في تقييم أداء الجهات الحكومية، وثانيها تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية وتوسيع قنوات تلقي الشكاوى والمقترحات والاستجابة لها، وثالثها بناء ثقافة مؤسسية تجعل خدمة المواطن معيارًا لنجاح المؤسسة لا مجرد واجب إداري.
واستعرض الدكتور الزامكي الفكرة الرئيسة للمقال، ومفادها أن الثقة ليست نتيجة للخطاب، بل حصيلة أداء مؤسسي عادل وكفء ومستمر، ملخصًا التحدي الذي أمامنا في اتساع الفجوة بين تطلعات المواطنين وجودة الخدمات عندما لا تواكب المؤسسات متطلبات الكفاءة والشفافية، ومقترحًا إجراءً يتمثل في إطلاق برنامج وطني لتحسين جودة الخدمات الحكومية وربط تقييم الأداء بمؤشرات رضا المستفيدين وجودة الإنجاز، ليكون الأثر المتوقع هو تعزيز ثقة المواطن، ورفع كفاءة المؤسسات، وزيادة فاعلية برامج الإصلاح والتنمية، ضمن مشروعه الفكري «بناء الدولة يبدأ من المؤسسة» سلسلة مقالات في القدرات المؤسسية والإصلاح والتنمية المستدامة، الذي يسعى إلى ترسيخ ثقافة بناء الدولة من خلال بناء المؤسسات.