رؤية تحليلية للكاتب الدكتور هاني القاسمي حول مواجهة الفساد المالي والإداري
أكد الكاتب السياسي الدكتور هاني بن محمد القاسمي أن الدول ليست بحاجة إلى كثرة الشعارات بقدر حاجتها إلى مؤسسات تحكمها القواعد وتضبطها المسؤولية وتحميها سيادة القانون مشيرا إلى أنه حين يتسلل الفساد إلى مفاصل الدولة إداريا وماليا وسياسيا فإنه لا ينهب المال العام فحسب بل ينهك فكرة الدولة ذاتها ويحول الإصلاح من مشروع وطني إلى مجرد خطاب مؤجل.
وأوضح الكاتب السياسي الدكتور هاني القاسمي أن الفساد الإداري لا يبدأ دائما باختلاس المال بل قد يبدأ بتعطيل المعاملة أو إساءة استخدام السلطة أو تقديم الولاء على الكفاءة أو تحويل الوظيفة العامة إلى امتياز شخصي مضيفا أنه عندما يصبح المنصب وسيلة للمحاصصة وتُقدم العلاقات على المؤهلات فإن المؤسسة تفقد قدرتها على أداء وظيفتها ويصبح الإصلاح محكوما بمنظومة تقاومه من الداخل.
وبيّن الدكتور هاني بن محمد القاسمي أن الفساد المالي يشكل اعتداء مباشرا على حقوق المواطنين ومستقبل الدولة فكل مال عام يُهدر أو مشروع يُنفذ بغير معايير أو مورد يُستغل لمصلحة خاصة هو في حقيقته مورد يُنتزع من التعليم والصحة والخدمات والبنية التحتية ومن حق الأجيال القادمة في دولة أكثر قدرة واستقرارا لافتا إلى أنه في اليمن يتحول هذا الهدر إلى انعكاس يومي ملموس يتمثل في رواتب متأخرة وخدمات صحية منهارة وشوارع ومدارس تنتظر سنوات دون إنجاز.
وذكر الدكتور هاني القاسمي أن الفساد السياسي لا يقل خطورة عن ذلك لأنه يُفسد القرار العام حين تصبح المصلحة الوطنية خاضعة للمصالح الضيقة أو حين تُدار المؤسسات بمنطق النفوذ بدلا من منطق القانون مؤكدا أن الدولة التي تتعدد فيها مراكز القرار أو تتداخل فيها المصالح السياسية مع الاختصاصات المؤسسية تجد نفسها أمام إصلاح شكلي لا يمس جذور الخلل.
وأشار الكاتب السياسي الدكتور هاني القاسمي إلى أن مكافحة الفساد ليست حملة موسمية ولا تصفية لحسابات سياسية وإنما هي مشروع لبناء الدولة يبدأ بتفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة وتعزيز استقلال القضاء وإقرار الشفافية في المال العام وربط شغل الوظائف العامة بالكفاءة والاستحقاق وتجريم استغلال النفوذ وتضارب المصالح وإخضاع الجميع للقانون دون استثناء موضحا أنه في السياق اليمني يظل تفعيل دور الهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد وربط المساعدات الدولية بمعايير الشفافية خطوات عملية يمكن البدء بها دون انتظار حلول سياسية شاملة.
وأضاف الدكتور هاني بن محمد القاسمي أن المواجهة المؤسسية وحدها لا تكفي إذ يحتاج الإصلاح أيضا إلى مواجهة ثقافة الفساد المتأصلة في بعض المجتمعات حيث يُنظر أحيانا إلى من يلتزم بالقانون على أنه ضعيف أو غير ذكي وهنا يأتي دور التعليم والإعلام والمجتمع المدني في إعادة تشكيل الوعي العام بحيث يصبح الفساد وصمة لا مكسبا والنزاهة قيمة لا عبئا.
وشدد الكاتب الدكتور هاني القاسمي على أنه في الوطن حيث تتشابك الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية تصبح مكافحة الفساد أكثر إلحاحا لأن استمرار الهدر وضعف المؤسسات لا يُطيل عمر الأزمة فحسب بل يجعل الخروج منها أكثر كلفة وتعقيدا موضحا أنه ليس من المنطقي أن نطالب الدولة بالنهضة بينما نسمح للفساد بأن يستنزف قدرتها على النهوض.
ولفت الدكتور هاني بن محمد القاسمي إلى أن الإصلاح الحقيقي لا يُقاس بعدد القرارات الصادرة بل بمدى انعكاسها على أداء المؤسسات وحياة الناس والنهضة لا تُبنى بمجرد تغيير الأشخاص وإنما بإصلاح القواعد التي تحكم العمل العام بحيث يصبح المنصب تكليفا لا تشريفا والمال العام أمانة لا غنيمة والسلطة مسؤولية لا امتياز.
ونبه الكاتب السياسي الدكتور هاني القاسمي إلى أن معركة الدولة مع الفساد ليست معركة ضد أفراد بعينهم بل ضد ثقافة وممارسات ومصالح تحاول أن تجعل من ضعف الدولة بيئة مناسبة لاستمرارها ولذلك فإن الإصلاح الذي لا يواجه الفساد بجدية سيظل ناقصا والنهضة التي لا تحميها مؤسسات نزيهة ستبقى هشّة وقابلة للانتكاس.
واختتم الدكتور هاني بن محمد القاسمي حديثه بالتوكيد على أنه إذا أردنا وطنا قادرا على النهوض فعلينا أولا أن نحرر مؤسساته من الفساد لأن الدولة لا تنهض بما تملك من موارد فقط وإنما بما تملكه من نزاهة في إدارة تلك الموارد وعدالة في توزيعها وقانون يعلو على الجميع وحين تصبح مكافحة الفساد قاعدة للحكم لا شعارا للاستهلاك يصبح الإصلاح ممكنًا وتصبح النهضة مشروعا وطنيا قابلا للتحقق.