المهرة تعيد تجربة الطاقة المشتراة من خارج الحدود
محمد المسبحي
ثمة أمور تحدث في المشهد الإداري والمحلي تعكس مساعي مستمرة لتحويل المحافظات إلى كيانات مستقلة بعيدة عن إطار الدولة والسيادة الاتحادية، وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في مشروع الربط الكهربائي بين محافظة المهرة وشبكة ظفار العُمانية.
فبينما يمثل المشروع خطوة حيوية لتعزيز استقرار الطاقة في مناطق الغيضة وشحن وحوف، عبر خط يمتد لنحو 37 كيلومترا وبقدرة تصل إلى 60 ميجاوات، فإن القيمة الحقيقية لأي مشروع خدمي لا تُقاس بحجم الطاقة التي يوفرها فقط، وإنما بالآلية القانونية والمالية التي تم بها التعاقد، وبالكلفة الفعلية التي يتحملها المواطن والخزينة العامة.
وتتجسد المعضلة الأساسية في مدى وضوح تفاصيل الصفقة. فإذا كان الربط عبارة عن شراء مباشر للطاقة من الجانب العُماني لصالح الدولة اليمنية، وفق شروط واضحة ومحددة للكميات والأسعار، تصبح الأمور شفافة ومبررة.
غير أن الغموض يكتنف دور الشركات الوسيطة التي قد تدخل على خطوط الشراء وإعادة البيع للسلطة المحلية أو المستهلك، مما يفتح باب التساؤلات حول مسوغات وجود هذه الوساطة، وهوية الجهة المالكة لتلك الشركات، وآلية تحديد هوامش الأرباح وفارق التسعيرة الذي تتحمله المبالغ العامة.
إن المال العام يظل مالا عاما بغض النظر عن مرور العقود عبر شركات خاصة، وغياب الشفافية في الإعلان عن تفاصيل الملكية والإجراءات يترك المجال واسعًا للشكوك حول جدوى هذه الصفقات.
وتتحمل وزارة الكهرباء والطاقة المسؤولية الوطنية الأولى عن تنظيم قطاع الكهرباء، ولا ينبغي أن يقتصر دورها على تلقي المعلومات بعد إبرام الاتفاقيات المحلية. فمن صميم اختصاصها التأكد من أن أي مشروع لشراء الطاقة أو ربط الشبكات يتم وفق الأطر القانونية والمؤسسية، وبناءً على دراسات فنية واقتصادية واضحة، وبما يحفظ المال العام وأمن منظومة الكهرباء.
وفي حالة الربط مع شبكة ظفار، تبرز مسؤولية الوزارة في التحقق من الجهة المتعاقدة، والأساس القانوني للعقد، وسعر شراء الطاقة، وتكلفة النقل والربط، وأي عمولات أو هوامش ربح، وهوية الشركات الوسيطة وملكيتها، وآلية اختيارها، والجهة التي تتحمل الالتزامات المالية.
كما أن على الوزارة أن تضمن عدم تحول الحاجة العاجلة للكهرباء إلى مبرر لإنشاء ترتيبات تعاقدية خارج منظومة الدولة أو بعيدا عن الرقابة المؤسسية.
والمطلوب من وزارة الكهرباء لوضعه داخل إطاره الوطني الصحيح: دراسة، وتنظيم، ورقابة، وشفافية، ومساءلة.
فالتجارب السابقة لهذا القطاع مع منظومات الطاقة المشتراة تركت إرثًا مريرًا من الفواتير المستنزفة للمال العام، مما يحتم عدم تكرار النماذج الغامضة تحت عناوين جديدة.
المطلوب ليس عرقلة وصول الكهرباء من ظفار، أو رفض الاستفادة من فائض الطاقة لدى الجار الشقيق، بل رفض الضبابية المحيطة بالتعاقدات.
فالمهرة وسائر المحافظات لا تحتاج إلى ميجاوات إضافية فحسب.وانما بحاجة ماسة إلى معرفة هوية المستفيد من عقود الشراء والبيع، وآليات التسعير، والأطراف المسؤولة عن المراجعة والمساءلة، لأن الكهرباء تظل في النهاية خدمة عامة، وليست سوقا مغلقا يُحرم المواطن من حق السؤال والاطلاع...!!