الكاتب الصحفي يعقوب السفياني يتتبع قرناً من الحضور العسكري في الضالع ووزن البندقية الذي أثقل كاهل السكان
قال الكاتب الصحفي يعقوب السفياني إن من السهل تفسير الحضور العسكري للضالع في اليمن اليوم بوصفه نتيجة للحرب التي بدأت عام 2015 أو لصعود المجلس الانتقالي الجنوبي خلال العقد الأخير. لكنه أوضح أن العودة إلى الوثائق والتقارير المكتوبة في أزمنة متباعدة تكشف شيئاً أكثر إثارة للاهتمام يتمثل في تكرار اسم الضالع منذ أكثر من قرن كلما اقترب الحديث من التمرد والقوة المسلحة والمؤسسة العسكرية والصراع على السلطة.
وأوضح السفياني أن هذا التكرار يطرح سؤالاً مشروعاً حول الأسباب التي جعلت محافظة صغيرة نسبياً تمتلك كل هذا الوزن العسكري والسياسي المتكرر. مشيراً إلى أن الإجابة لا تأتي من مصدر واحد أو مرحلة واحدة بل من إشارات وشواهد تفصل بينها عقود كاملة.
وأشار الكاتب الصحفي يعقوب السفياني إلى أنه قبل أكثر من مئة عام أعدت هيئة الأركان التابعة لحكومة الهند البريطانية تقريراً عسكرياً سرياً عن محمية عدن سنة 1915. وعندما وصل التقرير إلى أراضي أمير الضالع سجل ملاحظة مهمة مفادها أنه لم تكن هناك مؤسسة عسكرية نظامية كبيرة. إذ لم يكن الأمير يحتفظ إلا بنحو أربعين عسكرياً أو تابعاً مسلحاً موزعين بين الضالع وبعض المواقع والحاميات.
ولفت الكاتب الصحفي إلى أن التقرير أضاف أن القوة الفعلية لم تكن تتمثل في هؤلاء العسكريين بل في القبائل نفسها. وقدر واضعو التقرير أن أمير الضالع يستطيع في أفضل الظروف جمع ما بين 6 آلاف و7 آلاف رجل في وقت واحد كان معظمهم يحمل البنادق. كما وصف التقرير أسلوب قتالهم بأنه يعتمد على سرعة الحركة في الجبال الصخرية والاستفادة من الغطاء الطبيعي والوصول إلى المواقع المرتفعة والمسيطرة.
وبيّن السفياني أنه بعد نحو نصف قرن ظهرت الضالع مجدداً في سياق الثورة على الوجود البريطاني في جنوب اليمن التي انطلقت عام 1964 وتوجت بالاستقلال عام 1967.
وأضاف الكاتب الصحفي يعقوب السفياني أن تقريراً نشرته مجلة Foreign Policy عام 2013 وصف الضالع وردفان بأن لهما مكانة خاصة في الذاكرة السياسية للحراك الجنوبي. وأشار التقرير إلى أن المنطقة الجبلية التي تضم الضالع وردفان كانت من مواطن الثورة ضد البريطانيين.
وتابع السفياني أنه بعد حرب 1994 ومرور سنوات من الاحتقان الجنوبي ظهر الحراك الجنوبي سنة 2007. وعندما رسم المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية ECFR خريطة بدايات الحراك لم يقل إن نشاطه كان موزعاً بالتساوي في الجنوب. بل أشار إلى أنه كان في مراحله الأولى أكثر نشاطاً في يافع والضالع وردفان.
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن هذه المناطق هي تقريباً المنطقة الجبلية نفسها التي تعرف اليوم باسم المثلث والتي كانت قد ظهرت قبل ذلك بعقود في سياق الثورة على البريطانيين.
وأوضح الكاتب الصحفي يعقوب السفياني أن من أكثر الوثائق إثارة للاهتمام برقية دبلوماسية أميركية سرية مؤرخة في 27 مايو 2009. وفي البرقية أبلغ الشيخ محمد ناجي الشايف أحد أبرز مشايخ بكيل السفير الأميركي ستيفن سيش برؤيته للحراك الجنوبي وقياداته.
وذكر السفياني أن الحديث في البرقية تناول أسماء جنوبية كبيرة تعيش خارج البلاد مثل علي ناصر محمد وحيدر أبو بكر العطاس وعلي سالم البيض. لكن الشايف قال للسفير إن هؤلاء قد يكونون رموزاً أو نقاط تجمع إلا أنهم في رأيه لن يكونوا القيادة الفعلية لما يحدث في الداخل.
ولفت الكاتب الصحفي إلى أن البرقية تضمنت بعد ذلك العبارة اللافتة "the actual decisions are made in Dhale" أي إن "القرارات الفعلية تتخذ في الضالع".
وأضاف الكاتب الصحفي يعقوب السفياني أنه في مارس 2013 وصل مراسل Christian Science Monitor آدم بارون إلى المنطقة وكتب أن المناطق الجبلية الوعرة في الضالع وردفان ويافع "لطالما كانت بؤراً للتمرد". مشيراً إلى أن سلطة صنعاء فيها كانت أضعف من مناطق أخرى.
وبيّن السفياني أنه مع تقدم الحوثيين والقوات المتحالفة مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح جنوباً عام 2015 أصبحت الضالع إحدى ساحات المواجهة الرئيسية.
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن دراسة نشرتها Jamestown Foundation قالت إن مجموعة المقاومة التابعة لعيدروس الزبيدي في الضالع كانت من أوائل القوى التي استعادت أراضي من الحوثيين. وحدث ذلك إلى حد كبير قبل حصولها على الدعم الخارجي الواسع الذي سيأتي لاحقاً. وهو ما منح الزبيدي وزناً وشهرة أكبر داخل الدوائر الانفصالية الجنوبية.
وتابع الكاتب الصحفي يعقوب السفياني أنه بعد عامين من تلك المعارك تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي برئاسة عيدروس الزبيدي.
وأوضح السفياني أنه في مطلع عام 2026 تعرضت البنية العسكرية والسياسية السابقة في الجنوب لإعادة تشكيل واسعة. وسعت السعودية والحكومة إلى إعادة تنظيم الوحدات العسكرية والأمنية التي ارتبط كثير منها سابقاً بالمجلس الانتقالي. إلا أن هذه التغييرات نجحت بشكل محدود للغاية في الضالع بشكل خاص ومناطق المثلث حيث تحتفظ القوات العسكرية بولاء كبير للمجلس الانتقالي.
وانتقل الكاتب الصحفي إلى الأرقام المعاصرة موضحاً أن الكشف الأخير للمتقدمين للكلية الحربية في مرحلة الفحص الطبي يقدم إشارة صغيرة لكنها مثيرة للاهتمام. فمن أصل 600 متقدم ظهر 84 متقدماً من الضالع بما يعادل نحو 14 بالمئة من القائمة.
وأضاف الكاتب الصحفي يعقوب السفياني أن أحدث تقديرات السكان المستخدمة في تحليل IPC لعام 2026 تظهر أن عدد السكان المحللين في مناطق الحكومة بمحافظة الضالع يبلغ نحو 576 ألف نسمة من أصل 10.48 ملايين نسمة في جميع المناطق التي شملها التحليل. وهو ما يمثل نحو 5.5 بالمئة فقط. وتستند بيانات IPC السكانية إلى تقديرات UN Population Taskforce.
وأكد السفياني أنه إذا استخدمت القائمة كمؤشر محدود فقط فإن حصة أبناء الضالع من المتقدمين تبلغ أكثر من ضعفي ونصف وزنها السكاني التقريبي داخل المجتمع الذي تجري المقارنة به.
ورأى الكاتب الصحفي أن جمع هذه الشواهد يجعل تفسير الظاهرة بـ"حب البندقية" وحده غير مقنع. مشيراً إلى وجود أربعة عوامل متداخلة على الأقل يمكن من خلالها فهم هذا الحضور العسكري والسياسي المتكرر.
وأوضح الكاتب الصحفي يعقوب السفياني أن العامل الأول يتمثل في الجغرافيا. فالضالع منطقة جبلية تقع تاريخياً على تخوم سياسية وعسكرية مهمة بين شمال اليمن وجنوبه. وقد جعلتها التضاريس مناسبة للمقاومة المحلية والدفاع والحرب غير النظامية منذ زمن طويل.
وأشار السفياني إلى أن العامل الثاني يتمثل في التاريخ المتكرر من الصدام مع المركز. فمن الثورة على البريطانيين إلى الاحتكاك مع سلطة صنعاء وصولاً إلى الحراك الجنوبي كانت المنطقة في أكثر من مرحلة أقرب إلى المعارضة منها إلى الاندماج الهادئ في مركز السلطة.
وأضاف الكاتب الصحفي أن العامل الثالث يتمثل في تراكم الخبرة والشبكات العسكرية. فعندما تدخل أعداد كبيرة من منطقة معينة مؤسسة عسكرية ثم تخوض تلك المنطقة حروباً وثورات متتابعة لا تنتهي الخبرة بانتهاء الحرب. بل تتكون عائلات عسكرية وشبكات رفاق وقادة محليون وطرق للتجنيد ورموز اجتماعية مرتبطة بالخدمة العسكرية.
واختتم الكاتب الصحفي يعقوب السفياني بالإشارة إلى أن العامل الرابع يتمثل في الذاكرة السياسية. فالثورة وهزيمة 1994 والحراك ومعارك 2015 ليست أحداثاً منفصلة في الذاكرة المحلية. بل إن بعضها يعيد تفسير البعض الآخر ويمنح العمل العسكري معنى يتجاوز الوظيفة والراتب إلى الهوية والذاكرة السياسية.