المسبحي: الدولة التي تريد احترام مواطنيها عليها أن تمنحهم سببا لهذا الاحترام وتعيد إليهم كرامتهم
قال الكاتب الصحفي محمد المسبحي إن السؤال الأكثر وجعا اليوم ليس ما إذا كان المواطن يحب دولته أو ما إذا كان لا يزال يؤمن بمؤسساتها. بل إن هناك سؤالا أكثر بساطة وعمقا يتمثل في مدى شعور المواطن اليمني في المحافظات المحررة بأن دولته تحترمه. موضحا أن الإجابة قد لا تكون بنعم أو لا بصورة مطلقة. لكن الواقع اليومي يكشف مشاهد لا يمكن القفز فوقها أو تغطيتها بخطابات رسمية مهما كانت منمقة.
وأوضح المسبحي أن اليمني في المحافظات المحررة عاش طيلة أكثر من عشرة أعوام تجربة قاسية من الحرب والانقسام وتدهور الخدمات. لكنه في الوقت نفسه ظل يرى مفارقة صارخة تتعلق بمن يفترض أنهم أركان العملية السياسية وصناع القرار وأين يعيشون وكيف يعيشون. ففي الوقت الذي يقف فيه المواطن أمام باب بيته منتظرا ساعات طويلة لعودة الكهرباء أو يبحث عن قطرة ماء أو يقلقه وضع أمني متقلب. هناك من يعيش داخل أسوار محصنة أو خارج البلاد بعيدا عن تفاصيل الحياة التي يواجهها المواطن كل يوم.
وأشار الكاتب الصحفي إلى أن الأمر لا يتعلق بالغيرة من أحد أو الاعتراض على حق المسؤول في حياة كريمة. وإنما بالسؤال عن المسافة الهائلة بين حياة صاحب القرار وحياة المواطن الذي يفترض أن القرار اتخذ من أجله. متسائلا كيف يمكن لمسؤول لا يشعر بمعاناة انقطاع الكهرباء ولا يبحث عن الماء ولا يقلق على مستقبل أبنائه أن يشعر بالضغط نفسه الذي يعيشه المواطن. وكيف يمكن لمن يعيش بعيدا عن تفاصيل المعاناة اليومية أن يدرك أن انقطاع الكهرباء لساعات طويلة ليس مجرد رقم في تقرير وأن شح المياه ليس مجرد بند في محضر اجتماع.
وأكد المسبحي أن المشكلة ليست في أن يعيش المسؤول بصورة أفضل. بل في أن تتحول حياة المسؤول إلى جزيرة معزولة عن حياة الناس. لافتا إلى أن المواطن دافع عن هذه الأرض ودفع من أمنه وماله ومستقبل أبنائه ثمنا باهظا خلال سنوات الحرب. ولم يكن يوما تابعا لحزب أو مكون أو جماعة حين وقف في وجه الخطر. بل كان يمنيا يبحث عن وطن يحميه ويحفظ كرامته.
وتساءل الكاتب الصحفي محمد المسبحي عن سبب مطالبة المواطن بأن يكون مواطنا كامل الحقوق حين يتعلق الأمر بالواجبات. ثم يعامل وكأنه مواطن من الدرجة الثانية عندما يتعلق الأمر بالخدمات والحقوق الأساسية. مشيرا إلى أن بعض المواطنين يضعون اليوم قدرا محدودا من الأمل أمام الحكومة الجديدة. ليس لأنهم يملكون رفاهية الانتظار. وإنما لأنهم تعبوا من الانتقال من خيبة إلى أخرى.
وأضاف المسبحي أن المواطنين لا يريدون معجزات ولا ينتظرون قصورا أو طرقا من ذهب. وإنما يريدون دولة تؤدي الحد الأدنى من وظائفها من خلال توفير كهرباء مستقرة وماء مستمر دون انقطاع وصالح للشرب وأمن ومؤسسات تعمل وعدالة لا تفرق بين الناس. مؤكدا أن الأهم من ذلك كله هو أن يشعر المواطنون بأنهم مواطنون قبل أن يكونوا محسوبين على هذا الحزب أو ذاك المكون أو تلك المنطقة.
وأوضح الكاتب الصحفي أن هذه هي المعركة الحقيقية أمام أي حكومة جديدة. متسائلا عما إذا كانت تستطيع نقل المواطن من خانة المستفيد المحتمل من الخدمة إلى خانة صاحب الحق فيها. مؤكدا أن الخدمات ليست منة من الحكومة وأن الراتب ليس صدقة وأن الأمن ليس امتيازا وأن الكهرباء والماء ليسا هدية سياسية. بل إن هذه كلها وظائف أساسية للدولة ومن حق المواطن أن يسأل عنها وأن يحاسب المسؤول عليها.
وشدد المسبحي على أن الدولة التي تريد من مواطنيها احترامها عليها أولا أن تمنحهم سببا لهذا الاحترام. موضحا أن اليمني الذي تحمل الحرب والإرهاب والانقسام والفقر ليس عاجزا عن بناء بلده. بل على العكس ربما يكون هو الطرف الوحيد الذي ما زال يملك الطاقة الحقيقية لإعادة ارتقاء السلم الحضاري وإعادة بناء ما هدمته الحروب والإرهاب ومافيات الفساد.
واختتم الكاتب الصحفي محمد المسبحي بالتأكيد أن هذا الإنسان يحتاج إلى دولة تؤمن به لا دولة تطلب منه أن يؤمن بها فقط. داعيا إلى احترام المواطن حتى يكون أقوى سند للدولة وإعادة كرامته إليه حتى يعيد ثقته بها. مؤكدا أن هناك قاعدة بسيطة لا تحتاج إلى لجان أو مؤتمرات تتمثل في أن اليمني الذي تحترمه حكومته سيكون أكثر الناس استعدادا لاحترام دولته. أما الدولة التي لا يشعر المواطن بوجودها إلا في الخطابات فلن تستطيع بناء المستقبل مهما ارتفعت أسوارها.