حوارات وتقارير عين عدن

ارحلوا.. سئمنا من خلافاتكم.. صرخة شعب في وجه أعضاء مجلس القيادة: إلى متى يدفع المواطن ثمن صراعاتكم (تقرير)


       
 
تقرير- عين عدن - خاص :
بصوت المظلوم الذي أنهكته سنوات الحرب والأزمات، بصوت المواطن الهزيل الذي أصبح يبحث عن أبسط مقومات الحياة، بصوت الطفل الجائع الذي لا يعرف لماذا أصبح الطعام حلما في بلد يملك من الموارد ما يكفي أبناءه، بصوت أنين الأطفال في أشد ساعات الحر وهم ينتظرون عودة الكهرباء، وبصوت قيادات الجيش والصف والضباط والجنود الذين حرموا من رواتبهم خمسة أشهر، ترتفع اليوم صرخة واحدة في وجه مجلس القيادة الرئاسي: ارحلوا، سئمنا من خلافاتكم، سئمنا من مناطقيتكم، سئمنا من فسادكم، وإلى متى يستمر الوطن والمواطن في دفع ثمن صراعاتكم..؟.
 
 
لم يعد المواطن قادرا على فهم هذا الصمت أمام انهيار الخدمات وتأخر المرتبات وارتفاع الأسعار وتدهور العملة واتساع دائرة الفقر، فيما تتراجع مؤسسات الدولة وتزداد معاناة الأسر يوما بعد آخر، والسؤال الذي يفرض نفسه: أليس قليلا من الحياء أمام شعب أنهكته الأزمات..؟، ألا تشبع البطون من الأموال والمخصصات والامتيازات..؟، وكم من الأموال جرى ادخارها في البنوك بينما يبحث موظف أو جندي عن راتبه ويبحث أب عن قيمة رغيف الخبز لأطفاله..؟.
 
 
لقد وصل الناس إلى مرحلة لم تعد فيها الوعود كافية ولا البيانات قادرة على تهدئة غضب الشارع، فالشعب يريد دولة وقيادة تشعر بمعاناته وتتحمل مسؤوليتها أمامه، وإذا عجزت القيادات القائمة عن القيام بهذه المهمة فإن الخيار الأكثر احتراما لإرادة الناس هو أن تترك لهم حق اختيار قيادات كفاءة قادرة على إدارة الدولة، لا قيادات أثبت الواقع عجزها وأصبحت جزءا من المشكلة بدلا من أن تكون جزءا من الحل، فالوطن أكبر من الأشخاص والمناصب والمصالح.
 
 
 
 
ثمانية أعضاء.. هل تحولت صيغة الشراكة إلى أزمة..؟
 
عندما انتقلت السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي المكون من ثمانية أعضاء كان اليمنيون ينتظرون أن تكون تلك الخطوة بداية لتوحيد القرار السياسي والعسكري وإنهاء حالة التشتت التي أضعفت مؤسسات الدولة، غير أن محللين وسياسيين يرون أن تركيبة المجلس بصيغتها الحالية لم تنجح في إنتاج مركز قرار متماسك، بل أصبحت الخلافات بين مكوناته حاضرة في المشهد وأثرت بصورة مباشرة وغير مباشرة في أداء الحكومة ومؤسسات الدولة وفي قدرة السلطة على مواجهة الأزمات المتراكمة.
 
 
وبعد سنوات من تشكيل المجلس لا يزال المواطن يسأل عن الثمرة التي انعكست على حياته، فلا الكهرباء استقرت ولا المرتبات انتظمت ولا الخدمات استعادت عافيتها ولا مؤسسات الدولة وصلت إلى مستوى الأداء الذي كان ينتظره الناس، وفي المقابل برزت انتقادات بشأن التعيينات وتوظيف الأقارب والمحسوبين على مراكز النفوذ وتوزيع المواقع على أساس الولاءات والتوازنات بدلا من الكفاءة والمؤهلات والخبرة، وهي ممارسات يرى منتقدون أنها أضعفت الجهاز الإداري وعمقت أزمة الثقة بين المواطن والسلطة.
 
 
المشكلة لم تعد في عدد أعضاء المجلس وحده وإنما في طريقة إدارة هذه الشراكة وقدرتها على التحول إلى مؤسسة قيادة حقيقية، فثمانية أعضاء يفترض أن يكونوا مصدر قوة وتنوع في القرار لا ثمانية مراكز نفوذ تتنازع الأولويات والمصالح، وما يحتاجه اليمن اليوم ليس المزيد من المحاصصة وإنما قرار دولة واضح ومؤسسات تعمل بمعايير الكفاءة والمساءلة، لأن المواطن لا يعنيه من حصل على هذا المنصب أو ذاك بقدر ما يعنيه أن يجد راتبه وكهرباءه وماءه وأمنه وخدماته الأساسية.
 
 
 
أربع حكومات تغيرت.. والمجلس بقي في مكانه
 
منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي تعاقبت على إدارة الحكومة أسماء وتشكيلات مختلفة، فمن حكومة الدكتور معين عبدالملك إلى حكومة الدكتور أحمد عوض بن مبارك ثم حكومة سالم صالح بن بريك وصولا إلى حكومة الدكتور شائع محسن الزنداني، تغير رؤساء الحكومات بينما بقي مجلس القيادة الرئاسي قائما بتركيبته الأساسية، ومع كل تغيير كانت الآمال تتجدد بأن تبدأ مرحلة مختلفة تستطيع وقف التدهور الاقتصادي والخدمي وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، لكن الأزمات ظلت تتكرر وتنتقل من حكومة إلى أخرى.
 
 
وهنا يبرز سؤال جوهري حول مدى عدالة تحميل رؤساء الحكومات وحدهم مسؤولية الإخفاق، فإذا تغيرت أربع حكومات وظلت المشكلات الكبرى قائمة فإن البحث عن جذور الأزمة يجب ألا يتوقف عند رئاسة الحكومة، بل ينبغي أن يمتد إلى منظومة القرار السياسي نفسها وإلى العلاقة بين مجلس القيادة والحكومة ومراكز النفوذ المختلفة، لأن تغيير رأس الجهاز التنفيذي في كل مرة من دون معالجة الاختلالات التي تحيط به لن يؤدي بالضرورة إلى نتائج مختلفة.
 
 
ولهذا يرى منتقدون أن العيب لا يمكن اختزاله في معين عبدالملك أو أحمد عوض بن مبارك أو سالم بن بريك أو شائع الزنداني، فالحكومة مهما كانت كفاءة رئيسها لن تستطيع تحقيق تحول حقيقي إذا كانت تعمل وسط تضارب في القرارات وتعدد في مراكز النفوذ وغياب للمساءلة، وإذا كانت التجربة قد شهدت تغيير أربع حكومات فإن المنطق يفرض تقييم أداء مجلس القيادة نفسه، ومساءلة أعضائه عن حصيلة السنوات الماضية وعن أسباب استمرار الأزمات رغم كل التغييرات التي حدثت تحت مظلته.
 
 
 
 
شعب أنهكته الأزمات.. وحان وقت المساءلة والتغيير
 
لم يعد اليمنيون يملكون ترف انتظار تجربة جديدة من الوعود نفسها، فسنوات الحرب أنهكت الأسر واستنزفت مدخراتها وحولت الراتب إلى مطلب والكهرباء إلى أمنية والماء والدواء والتعليم إلى أعباء ثقيلة، والجندي الذي يقف في الجبهة يريد راتبه، والموظف يريد حقه، والأم تريد طعاما ودواء لأطفالها، والشاب يريد فرصة عمل ومستقبلا، وهذه ليست مطالب سياسية معقدة وإنما حقوق أساسية كان يفترض أن تكون في مقدمة أولويات أي قيادة تحمل مسؤولية الدولة.
 
 
يكفي فسادا ومحسوبية وصراعا على المناصب، ويكفي أن يدفع المواطن فاتورة الخلافات التي لا علاقة له بها، فالمنصب العام ليس ملكية خاصة ولا غنيمة توزع بين الأقارب والمحسوبين، والدولة لا يمكن أن تستعيد ثقة الناس ما لم تخضع قياداتها للمحاسبة وتعلن للرأي العام أين ذهبت الموارد وما الذي تحقق خلال السنوات الماضية ولماذا تعطلت الرواتب والخدمات، ومن المسؤول عن كل إخفاق، فالمساءلة ليست انتقاما من أحد وإنما الطريق الطبيعي لبناء دولة تحترم مواطنيها.
 
 
لقد أصبح المطلوب اليوم مراجعة شاملة وصريحة لتجربة مجلس القيادة الرئاسي وأداء مؤسسات الدولة بعيدا عن المجاملات والحسابات الضيقة، فإن كانت هذه القيادة قادرة على تصحيح مسارها فعليها أن تثبت ذلك بالفعل لا بالوعود، وإن كانت عاجزة عن إنهاء خلافاتها واستعادة مؤسسات الدولة وتحسين حياة المواطنين فعليها أن تفسح المجال أمام قيادات كفاءة تستطيع تحمل المسؤولية، لأن الشعب لا ينبغي أن يبقى رهينة لأشخاص أو مصالح، واليمن يحتاج إلى دولة تقود شعبها نحو المستقبل لا إلى خلافات تستنزف ما تبقى من وطن.