مجلس القيادة الرئاسي والأزمة.. اتهامات بصناعة الأزمات وغياب خطة اقتصادية لمواجهة تداعيات أي معركة قادمة (تقرير)
تقرير - عين عدن - خاص :
تتراكم الأزمات في اليمن عامًا بعد آخر دون أن تقابلها معالجات جذرية أو خطط واضحة تمنع تفاقمها، فيما يواجه مجلس القيادة الرئاسي انتقادات متزايدة بسبب عجزه عن احتواء الأزمات الاقتصادية والخدمية القائمة، وغياب رؤية متكاملة تنقل إدارة الدولة من سياسة رد الفعل إلى التخطيط المسبق، خصوصًا في ظل الحديث المتصاعد عن تحركات واستعدادات عسكرية تجري على قدم وساق، وما قد يترتب على أي جولة جديدة من الحرب من أعباء اقتصادية وإنسانية إضافية على المواطنين.
ويرى مراقبون أن الاستعداد لأي معركة لا ينبغي أن يقتصر على الجانب العسكري، بل يتطلب بالتوازي تشكيل لجنة عليا تضم خبراء اقتصاديين وماليين ومصرفيين لوضع خطة طوارئ متكاملة، تتولى تأمين احتياجات المواطنين، وحماية العملة، وضمان انتظام الرواتب، واستمرار الكهرباء والخدمات، وتأمين المشتقات والمواد الغذائية، ووضع سيناريوهات مسبقة لمواجهة تداعيات الحرب، حتى لا يجد اليمنيون أنفسهم أمام أزمة جديدة تضاف إلى أزمات لم ينجح مجلس القيادة الرئاسي والحكومة في معالجتها حتى اليوم.
مجلس للأزمات بدلًا من إدارة الأزمات
ويقول الكاتب الصحفي فلاح أنور إن غياب المؤسسات الحقيقية لصنع القرار وعدم وجود توافق سياسي أسهما بصورة مباشرة في تعميق الأزمات، معتبرًا أن بنية مجلس القيادة الرئاسي أصبحت، في حد ذاتها، جزءًا من المشكلة، وأن إدارة الدولة من خارج البلاد لم تقدم نموذجًا قادرًا على بناء المؤسسات أو توفير الخدمات، بل أنتجت بحسب وصفه نمطًا جديدًا من الإدارة يقوم على ترحيل المشكلات بدلًا من معالجتها، حتى تحول المجلس إلى مركز لإنتاج الأزمات وتصدير تداعياتها إلى الداخل.
ويضيف أن الفشل الإداري والحكومي تزامن مع إخفاقات في السياسة الخارجية واتهامات بصفقات فساد انعكست آثارها على حياة المواطنين وقوتهم اليومي، مشيرًا إلى أن انقطاع الكهرباء وتعثر صرف الرواتب وتدهور الخدمات ليست أزمات منفصلة، وإنما حلقات مترابطة تعكس خللًا في إدارة الدولة، كما يرى أن غياب المحاسبة والتعامل الجاد مع ملفات الفساد سمحا بتوسع الاختلالات داخل المؤسسات، وأديا إلى إنتاج أزمات جديدة بدلًا من تفكيك أسباب الأزمات القائمة.
محاربة محاولات الإصلاح والخشية من المحاسبة
ويذهب فلاح أنور إلى أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الفشل في معالجة الأزمات، بل تمتد، وفقًا لرؤيته، إلى مواجهة بعض الشخصيات السياسية والعسكرية التي تحاول طرح مشاريع للإصلاح والتغيير، معتبرًا أن أي شخصية تتمكن من تقديم نموذج ناجح وتحصل على تأييد شعبي قد تتحول إلى مصدر قلق بالنسبة إلى القوى المستفيدة من استمرار الوضع الراهن، لأنها ستكون أكثر قدرة على المطالبة بالمحاسبة وإعادة ترتيب المشهد السياسي على أسس مختلفة.
ويؤكد أنور أن ما يصفه بـ«مجلس الأزمات» يتحمل جانبًا رئيسيًا من المعاناة التي يعيشها اليمنيون، معتبرًا أن السياسات المتبعة أسهمت في تعميق مظاهر فشل الدولة، وأن استمرار النهج نفسه يعني استمرار إنتاج المشكلات بدلًا من حلها، مشددًا على أن اليمن وصل إلى أوضاع شديدة الصعوبة نتيجة تراكم الأزمات واستمرار العجز عن إدارة ملفات الاقتصاد والخدمات والفساد، في وقت يدفع فيه المواطن الكلفة الأكبر لهذا الإخفاق.
خبراء يتساءلون: من يدير اقتصاد الحرب..؟
وفي السياق ذاته، يطرح اقتصاديون تساؤلات بشأن إمكانية تنفيذ إصلاحات حقيقية في ظل قيادة تواجه اتهامات بالعجز عن معالجة الأزمات المتراكمة، ويتساءلون عن الأسس التي تدفع المجتمع الدولي والتحالف العربي إلى مواصلة التعويل على القيادات ذاتها دون اشتراط خطط اقتصادية واضحة، أو تشكيل غرفة عمليات اقتصادية ومالية دائمة تتولى إدارة الأزمات ووضع السيناريوهات اللازمة لأي تطورات عسكرية، بما يحول دون انهيار العملة أو توقف الرواتب والخدمات واتساع رقعة الفقر والجوع.
ويرى اقتصاديون محليون أن البلاد لا تحتاج إلى غرف مغلقة لتقاسم المناصب والمحاصصة بقدر حاجتها إلى غرفة عمليات حقيقية لإدارة الاقتصاد والأزمات، تضم أصحاب الاختصاص والكفاءة وتعمل وفق برنامج معلن ومؤشرات قابلة للقياس والمحاسبة، مؤكدين أن الحديث عن معركة جديدة دون خطة اقتصادية موازية يفتح الباب أمام أزمة فوق الأزمات القائمة، ويعيد السؤال الأكثر إلحاحًا إلى الواجهة: كيف يمكن لمن أخفقوا في معالجة أزمات الأمس أن يديروا تداعيات أزمة أكبر غدًا، ومن سيضمن ألا يتحمل المواطن مرة أخرى ثمن غياب التخطيط والإدارة؟