حوارات وتقارير عين عدن

قيادة خارج الوطن وشعب يواجه الويلات.. فجوة تتسع بين المسؤول والمواطن (تقرير)


       
تقرير - عين عدن - خاص :
تتسع في الأوساط اليمنية دائرة الانتقادات الموجهة إلى قيادات الدولة والشخصيات السياسية التي تقيم خارج البلاد منذ سنوات في وقت يواجه فيه المواطن اليمني واحدة من أشد المراحل الاقتصادية والمعيشية قسوة وسط تراجع القدرة الشرائية وتأخر المرتبات وتدهور الخدمات واتساع رقعة الفقر. ويرى منتقدون أن بقاء مسؤولين وقيادات بعيداً عن الداخل خلق فجوة متزايدة بينهم وبين الشارع الذي يتحمل بصورة مباشرة تداعيات الحرب والأزمات الاقتصادية وانهيار الخدمات. 
 
ويؤكدون أن المسؤول الذي لا يعيش الظروف التي يعيشها المواطن ولا يلمس يومياً معاناته في الكهرباء والمياه والأسعار والرواتب والصحة والتعليم يصعب عليه إدراك حجم الأزمة كما يشعر بها الناس على أرض الواقع. كما يطرح هذا الوضع تساؤلات متزايدة حول قدرة مؤسسات الدولة على استعادة ثقة المواطنين في ظل استمرار إدارة جانب من المشهد السياسي من خارج البلاد.
 
 ويعتبر يمنيون أن القيادة في أوقات الأزمات لا ينبغي أن تكون مجرد مناصب وامتيازات بل مسؤولية تقتضي الاقتراب من الناس وتحمل الظروف نفسها التي يواجهونها. ويشددون على أن المواطن الذي يواجه أعباء الحياة اليومية يحتاج إلى رؤية مسؤوليه إلى جانبه داخل الوطن لا بعيداً عن واقعه ومعاناته.
 
وفي مقابل الأوضاع الصعبة التي يعيشها المواطن تتصاعد الانتقادات بشأن ما يقال عن المخصصات والامتيازات المالية التي تحصل عليها شخصيات وقيادات سياسية في الخارج. وأعاد حديث الناشطة السياسية اليمنية فوزية يحيى هذه القضية إلى الواجهة بعدما انتقدت قيادات وشخصيات يمنية مقيمة خارج البلاد وقالت إن بعض القيادات والشخصيات المحسوبة على معسكر مجلس القيادة الرئاسي تتقاضى بحسب حديثها مخصصات مالية تتراوح بين خمسة وستة آلاف دولار. وتأتي هذه الاتهامات في وقت يكافح فيه كثير من اليمنيين لتأمين أبسط متطلبات الحياة وسط أوضاع اقتصادية متدهورة وارتفاع تكاليف المعيشة.
 
وهو ما جعل الفجوة بين حياة بعض المسؤولين وواقع المواطنين موضع غضب وانتقاد متزايدين. وتتمحور الانتقادات حول ضرورة أن تكون القيادة جزءاً من الأزمة التي يعيشها المجتمع وأن تشعر بصورة مباشرة بتبعات القرارات والأوضاع الاقتصادية بدلاً من أن يبقى المواطن وحده في مواجهة نتائجها. كما يرى منتقدون أن استمرار هذه الصورة يعمق الشعور بعدم العدالة ويضعف ثقة الشارع بمؤسسات الدولة ويزيد الإحساس بأن المواطن أصبح الحلقة الأضعف في صراع سياسي طويل دفع ثمنه من أمنه واستقراره ومعيشته.
 
 
 
 
فوزية يحيى: المواطن يدفع ثمن الصراع بينما يعيش المحسوبون على الأطراف بعيداً عن المعاناة
 
ظهرت الناشطة السياسية اليمنية فوزية يحيى في مقطع مرئي وهي تتحدث بحزن وألم عن واقع اليمنيين في الداخل والخارج منتقدة القيادات السياسية في مختلف الأطراف وما وصفته بحالة التهميش والظلم التي يعيشها المواطن. وقالت يحيى إن اليمنيين العاديين أصبحوا يدفعون ثمن الصراع السياسي المستمر بينما تعيش قيادات وشخصيات محسوبة على أطراف الصراع خارج دائرة المعاناة الحقيقية. 
 
وأكدت أن الشعارات والانتصارات والخطابات التي تطلقها الأطراف المختلفة لم تغير من واقع المواطنين الذين بات كثير منهم يشعر بأنه لا مكان له في وطنه. وكشفت أنها وصلت شخصياً إلى مرحلة بدأت فيها بجمع أوراقها من أجل التقدم بطلب لجوء. وقالت إنها بكت وهي تستعرض ما مرت به وتتساءل عن حجم الظلم الذي يمكن أن يدفع الإنسان إلى التفكير في البحث عن وطن آخر بعدما أصبح يشعر بالغربة داخل بلده وخارجه. وتساءلت عن معنى الحديث المتكرر عن اليمن باعتباره أصل العرب في ظل ما قالت إنها معاناة تعيشها المرأة اليمنية وعدم قدرتها على الحصول على حياة كريمة. وأضافت أن معيار الإنسانية الحقيقي بالنسبة إليها هو المكان الذي لا تتعرض فيه المرأة للظلم والإهانة والتهميش.
 
 
ووجهت يحيى انتقادات إلى القيادات الموجودة في صنعاء وقالت إن عدداً من الشخصيات هناك تحصل على مخصصات مالية رغم غياب الرواتب. وزعمت أن أقل تلك المخصصات يصل إلى نحو ألفي دولار مؤكدة بحسب قولها أنها تعرف ذلك وأنها على دراية بما تتحدث عنه. كما أشارت إلى وجود يمنيين يقيمون في تركيا ودول أوروبية ودول الخليج ومصر والأردن ويتمتع بعضهم بحسب حديثها بإمكانات وممتلكات ومصادر دعم نتيجة ارتباطاتهم بأطراف سياسية مختلفة بينما يجد من لا يمتلك سنداً سياسياً نفسه وحيداً في مواجهة الظروف الصعبة. وقالت إن المرأة التي لا تمتلك سنداً أو واسطة تصبح أمام خيارات قاسية ووصفت واقعاً ترى أنه يدفع البعض إلى بيع ضمائرهم أو تقديم تنازلات تمس كرامتهم مقابل الحصول على فرصة للحياة. وأكدت رفضها لمثل هذه الخيارات متسائلة كيف يمكن الحديث عن اليمن باعتباره أصل العرب بينما لا تستطيع المرأة فيه أن تعيش بكرامة. وشددت على أن المحسوبية والشللية لا تقتصر آثارهما على النساء فقط وأن كثيراً من الرجال تعرضوا أيضاً للظلم والتهميش.
 
 
 
 
 
غربة داخل الوطن وخارجه.. ومن لا ينتمي إلى طرف سياسي يدفع الثمن الأكبر
 
وأكدت فوزية يحيى أن المرأة تواجه معاناة مضاعفة في ظل الظروف الراهنة وما خلفته سنوات الحرب والصراع من أزمات اجتماعية واقتصادية وإنسانية. وعبرت عن غضبها من الواقع الذي يعيشه اليمنيون قائلة إن المواطنين العاديين هم من يواجهون الغربة والقهر داخل وطنهم وخارجه بينما تحظى شخصيات مرتبطة بمختلف الأطراف بمن يستقبلها ويدعمها ويوفر لها سبل العيش. وأضافت أن المواطن الذي لا ينتمي إلى أي طرف سياسي هو من يتحمل العبء الأكبر وأن هؤلاء المواطنين هم الذين يعانون الغربة داخل بلادهم وخارجها ويواجهون القهر وتداعيات الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بعيداً عن الامتيازات التي قالت إنها تمنح للقيادات والمحسوبين على الأطراف السياسية.
 
 واعتبرت أن المشكلة لم تعد مرتبطة بطرف واحد بقدر ارتباطها بمنظومة سياسية جعلت الانتماء والواسطة بحسب وصفها طريقاً للحصول على الفرص بينما يبقى المواطن المستقل في مواجهة ظروفه وحده. واختتمت حديثها بتوجيه رسالة شديدة اللهجة إلى من وصفتهم بالظالمين والطغاة محذرة من أن الظلم لا يدوم وأن من سبقهم مارسوا الظلم والبطش ثم انتهى بهم الحال مستشهدة بقوله تعالى: «وتلك الأيام نداولها بين الناس».
 
 
 
 
 
ناشطون: المرحلة تتطلب قيادة تعيش داخل الوطن وتشعر بمعاناة مواطنيه
 
ويرى ناشطون سياسيون أن المرحلة التي يمر بها اليمن تفرض وجود قيادة تمارس مسؤولياتها من داخل الوطن وتعيش بالقرب من المواطنين وتلمس بصورة مباشرة الأزمات التي تواجههم بدلاً من إدارة شؤونهم من الخارج. ويؤكدون أن مفهوم القيادة في الظروف الاستثنائية يرتبط بالحضور وتحمل المسؤولية والوجود إلى جانب الناس وليس بالمناصب أو الامتيازات. فالقيادة التي تعيش بين المواطنين ستكون أكثر قدرة على إدراك حجم أزمة الكهرباء وانقطاع المرتبات وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات ومعرفة ما يواجهه الناس يومياً من أعباء يصعب الإحساس بتفاصيلها من بعيد. ويشدد ناشطون على أن اليمنيين بحاجة إلى مسؤول يشعر بمعاناتهم ويشاركهم الظروف ويكون أول من يتحمل نتائج القرارات قبل مطالبة المواطن بتحملها. ويرون أن المرحلة لم تعد تحتمل اتساع المسافة بين الحاكم والمحكوم ولا استمرار صورة قيادة تتمتع بمستوى معيشي مريح في الخارج بينما يعيش المواطن داخل البلاد الويلات ويصارع من أجل أبسط مقومات الحياة.
 
 ويعتبرون أن القيادة الحقيقية تستمد شرعيتها المعنوية من قربها من الناس وقدرتها على مشاركتهم أزماتهم والعمل على تخفيفها. ويؤكدون أن المسؤول الذي يريد استعادة ثقة المواطن عليه أن يكون حاضراً في وطنه وبين أبناء شعبه وأن يرى معاناتهم ويسمع مطالبهم ويتحمل معهم تبعات المرحلة. فاليمن في نظرهم بحاجة إلى قيادة تعيش مع الشعب وتحس بأوجاعه وتواجه معه التحديات لا قيادة بعيدة عن تفاصيل حياته اليومية.