عسكر: اليمن لا يحتاج إلى ناجحين على الورق بل إلى متعلمين قادرين على التفكير والإنتاج والبناء
قال الكاتب السياسي د. نجيب عسكر إن نتائج اختبارات الثانوية العامة للعام الدراسي 2025–2026 بقسميها العلمي والأدبي أُعلنت يوم الخميس 27 أغسطس 2026 في العاصمة المؤقتة عدن بعد إعلانها في صنعاء في 12 يوليو الماضي أي قبل نحو شهر ونصف. موضحاً أن نسبة النجاح في عدن بلغت 90.8% فيما بلغت في صنعاء 88.12%.
وأضاف عسكر أن هذه النتائج في ظاهرها تبعث على الفرح وهي بالفعل مناسبة مشروعة لفرحة آلاف الأسر والطلاب. فمن حق كل أب وأم أن يفخرا بنجاح أبنائهما ومن حق كل طالب أن يشعر بالاعتزاز بما حققه خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي عاشها الطلاب وأسرهم خلال سنوات الحرب والانقسام والاضطراب. مؤكداً أنه ليس من الإنصاف أن ننتقص من فرحة أسرة أو من جهد طالب أو أن نحمل الطالب مسؤولية اختلالات منظومة التعليم.
وأشار الكاتب السياسي إلى أنه بعيداً عن مشاعر الفرح المشروعة فإن هذه النتائج تفرض سؤالاً أكبر يتمثل في مدى انعكاس نسب النجاح المرتفعة على حقيقة مستوى التعليم في اليمن وما إذا كان ارتفاع الدرجات يعني بالضرورة أن التعليم اليمني بخير.
وأوضح د. نجيب عسكر أن الإجابة عن هذا السؤال تحتاج إلى قدر من التوقف والتأمل لأن النتائج الامتحانية لا ينبغي أن تُقرأ بمعزل عن الظروف التي أنتجتها. مشيراً إلى أننا أمام منظومة تعليمية عانت وما تزال تعاني من اختلالات عميقة طالت مختلف عناصر العملية التعليمية من المعلم إلى الطالب ومن المنهج إلى المدرسة ومن البيئة التعليمية إلى أساليب التقويم والاختبارات.
ولفت عسكر إلى أن المعلم لعلّه الحلقة الأكثر تأثراً بهذه الظروف. فقد عاش المعلم اليمني سنوات طويلة من الضغوط المعيشية وعدم انتظام الرواتب والمستحقات في كثير من المناطق وما ترتب على ذلك من انقطاعات عن التدريس وتوقفات واضطرار بعض المعلمين إلى البحث عن أعمال أخرى لتأمين احتياجاتهم واحتياجات أسرهم فضلاً عن اضطراب العام الدراسي نفسه.
وتابع الكاتب السياسي أن الإضرابات التي نفذها المعلمون والاستعانة بمعلمين بدلاء لسد العجز مع تفاوت مستويات التأهيل بينهم كلها عوامل تركت آثاراً لا يمكن تجاهلها في انتظام العملية التعليمية وجودتها.
وبيّن د. نجيب عسكر أن التعليم بطبيعته عملية تراكمية. فكل درس لا يُقدَّم وكل أسبوع دراسي يُفقد وكل اضطراب يتكرر يترك أثراً في مستوى التحصيل. ومع تراكم هذه الفجوات عبر السنوات يصبح من الصعب أن تعكس نتائج الثانوية وحدها المستوى التعليمي الحقيقي للطالب بكل أبعاده.
وأضاف عسكر أن الطالب الذي يصل إلى الثانوية العامة يحمل معه حصيلة معرفية ومهارية تشكلت خلال سنوات طويلة. وإذا كانت تلك السنوات قد تعرضت للانقطاع والاضطراب وضعف العملية التعليمية فمن غير المنطقي أن نفترض أن ورقة امتحان واحدة قادرة وحدها على كشف جميع جوانب هذه الفجوات أو قياسها بدقة.
وأشار الكاتب السياسي إلى طبيعة الاختبارات وأدوات التقويم موضحاً أن المشكلة لا تكمن في الأسئلة الموضوعية بذاتها فهي قد تكون أداة فعالة لقياس جوانب متعددة من التحصيل وإنما تكمن في الاقتصار على أنماط محدودة من الأسئلة أو على أداة واحدة للتقويم. مؤكداً أن التعليم الجيد لا يهدف فقط إلى حفظ المعلومات واسترجاعها وإنما إلى بناء القدرة على الفهم والتحليل والاستنتاج والتفكير النقدي وحل المشكلات والتعبير والتعلم الذاتي.
وأكد د. نجيب عسكر أن قضية الغش تبرز باعتبارها واحدة من أخطر التحديات التي تهدد عدالة التقويم ومصداقيته. فحين يحصل طالب على درجة لا تعكس مستواه الحقيقي فإن الضرر لا يتوقف عند حدود الامتحان بل يمتد إلى مبدأ تكافؤ الفرص ويضعف الثقة في النتائج وقد يؤثر في فرص الطلاب المجتهدين في المنافسة على المنح والمقاعد النوعية. موضحاً أن الأخطر من ذلك هو أن انتقال طالب بمستوى معرفي ضعيف إلى التعليم الجامعي أو إلى سوق العمل لا يحل المشكلة وإنما يؤجل ظهورها إلى مرحلة أكثر حساسية.
وقال عسكر إن ارتفاع نسبة النجاح لا ينبغي أن يُقرأ تلقائياً باعتباره دليلاً على ارتفاع جودة التعليم. فالنجاح في الامتحان شيء والنجاح في التعليم شيء آخر.
وتساءل الكاتب السياسي عن قدرة الطالب الحاصل على درجة مرتفعة على فهم ما يقرأ وقدرته على التحليل والمناقشة والاستنتاج والبحث عن المعلومة والتمييز بين الصحيح والخاطئ وتوظيف ما تعلمه في حل مشكلة جديدة ومدى امتلاكه مهارات التواصل والتعلم الذاتي التي يحتاج إليها في الجامعة والعمل والحياة.
وأوضح د. نجيب عسكر أن هذه الأسئلة هي التي تساعدنا على الاقتراب من حقيقة التعليم وليس الدرجات وحدها.
وأضاف عسكر أن هناك معضلة أخرى تظهر بوضوح عند الانتقال من مقاعد المدرسة إلى رحاب الجامعة وسوق العمل. إذ يواجه الطالب متطلبات تتجاوز حفظ المعلومات واسترجاعها وتحتاج إلى مهارات تحليلية وعملية وقدرة على التعلم والتكيف وحل المشكلات. وحين لا يكون التعليم المدرسي قد أسس لهذه المهارات فقد يجد الخريج نفسه أمام فجوة كبيرة بين ما توحي به شهادته من تحصيل وما يستطيع فعلياً أن ينجزه على أرض الواقع.
وأكد الكاتب السياسي أن القلق الذي تثيره هذه النتائج ليس قلقاً من نجاح أبنائنا وإنما قلق على مستقبلهم.
وقال د. نجيب عسكر إننا نريد أن نفرح بنجاح أبنائنا لكننا نريد أيضاً أن نطمئن إلى أن وراء هذه الدرجات تعليماً حقيقياً ومعرفة راسخة ومهارات تمكنهم من مواجهة المستقبل. مؤكداً أن اليمن اليوم لا تحتاج فقط إلى مزيد من الناجحين على الورق بل تحتاج إلى متعلمين حقيقيين قادرين على التفكير والإنتاج والبناء.
ودعا عسكر إلى ألا تكون نتائج الثانوية العامة مناسبة للاحتفاء فقط بل فرصة لمراجعة منظومة التعليم بأكملها بما يشمل المناهج وانتظام العام الدراسي واستقرار أوضاع المعلمين والبيئة المدرسية وآليات التقويم والاختبارات ووسائل التحقق من اكتساب الطلاب للمعارف والمهارات الأساسية.
وأضاف الكاتب السياسي قائلاً: إنني أهنئ كل طالب وطالبة نجحوا وأهنئ كل أسرة فرحت بأبنائها وأحيي كل معلم ومعلمة واصلوا أداء رسالتهم في هذه الظروف القاسية وأخص بالتحية أولئك الذين ظلوا متمسكين بأمانة العطاء رغم كل التحديات.
وأكد د. نجيب عسكر أنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يحتفل بالأرقام وحدها ويتجاهل ما وراءها.
وشدد عسكر على أن الفرح بنتائج أبنائنا حق أما القلق على جودة تعليمهم فمسؤولية وطنية.
واختتم الكاتب السياسي د. نجيب عسكر حديثه بالتأكيد على أنه إذا كنا نريد جيلاً قادراً على بناء اليمن فعلينا ألا نسأل فقط كم طالباً نجح بل علينا أن نسأل السؤال الأهم: ماذا تعلم هؤلاء الطلاب؟ وماذا يستطيعون أن يفعلوا بما تعلموه؟ مؤكداً أن هنا تبدأ القراءة الحقيقية لنتائج الثانوية العامة وهنا يبدأ الحديث الجاد عن إنقاذ التعليم اليمني وإعادة بناء منظومته على أسس علمية ومهنية تضمن أن تكون الشهادة انعكاساً لتعلم حقيقي لا مجرد درجات ونجاح على الورق.