«التعاون» الخليجي بين إدارة الأزمات وهندسة النظام الإقليمي



في التاريخ المعاصر مرَّت منطقة الخليج بمنعطفات كثيرة، منها الحرب العراقية - الإيرانية، وأخطرها الاحتلال العراقي للكويت، على أثر الأول تأسس مجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 1981، كان الهدف هو تعزيز التنسيق بين دول متجاورة تواجه بيئة إقليمية مضطربة. إلا أن عملية احتلال الكويت أثبتت أن المجلس يجب أن يتجاوز كونه إطاراً للتنسيق، ليصبح جبهة خليجية موحدة رافضة لذلك الاحتلال البغيض، وتطورت مؤسسات المجلس لتصبح من أكثر المؤسسات الإقليمية العربية استمرارية وقدرة على التكيف مع المتغيرات، وجاءت الحرب الأخيرة وتبعاتها، التي لم تتضح بعد، لتضع هذه المؤسسة الإقليمية أمام استحقاقات متغيرة، تحتاج إلى رسم سياسات جديدة لمواجهة احتمالاتها.

 

لقد نجح المجلس في المحافظة على تماسكه رغم الحروب والأزمات التي شهدتها المنطقة. كما استطاع بناء مستوى متقدم من التعاون الاقتصادي، وتسهيل حركة المواطنين ورؤوس الأموال، إضافة إلى تطوير آليات للتنسيق الأمني في مواجهة التحديات المشتركة. وخلال العقد الأخير اكتسبت دوله وزناً إضافياً نتيجة التحولات الاقتصادية الكبرى التي شملت التنويع الاقتصادي، والاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير البنية التحتية، والانفتاح على الاقتصاد العالمي، حتى أصبحت لاعباً على الساحة الدولية. وفي الأزمة الأخيرة ظهر التعاضد التام في تخفيف الأزمات، ففتحت المملكة العربية السعودية أجواءها وموانئها للإمداد والتموين للدول التي تضرَّرت من قفل الأجواء، وقفل مضيق هرمز.

 

إلا أن السنوات الخمس المقبلة تضع المجلس أمام اختبار مختلف، فالتحدي لم يعد يقتصر على حماية الاستقرار الخليجي، بل يتصل بقدرته على الإسهام في صياغة النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط، بين قوى ليست متنافسة فقط بل متصارعة.

 

وتبرز أمام المجلس ثلاثة معوقات رئيسية؛ أولها استمرار الأزمات الإقليمية في عدد من الدول العربية في الجوار الأوسع، وما تخلقه من تداعيات أمنية واقتصادية. وثانيها التحولات في النظام الدولي، مع تصاعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، وتراجع اليقين بشأن شكل التوازنات العالمية المقبلة، وضعف في آليات القوانين الدولية. أما ثالثها فيتمثل في التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة التي تُفرض على الدول المحافظة على قدرتها التنافسية في عالم يتَّجه نحو الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة. أي التحول من الاستثمار في الموارد إلى الاستثمار في العقول.

 

ورغم هذه التحديات، فإنَّ دول الخليج تمتلك اليوم عناصر قوة تجعلها مؤهلة للعب دور يتجاوز حدودها الجغرافية. فمعظم القوى الإقليمية الأخرى تواجه ضغوطاً داخلية أو اقتصادية أو أمنية، في حين نجحت دول الخليج في الجمع بين قدر من الاستقرار والموارد المالية، وقدرة على نسج علاقات دولية واسعة. وهذه العناصر تمنحها فرصة للانتقال من مرحلة التأثر بالتطورات الإقليمية إلى مرحلة المساهمة في تشكيلها.

 

ومن هنا تبرز فكرة هندسة النظام الإقليمي على أسس جديدة. فالنظام الجديد لن يبنى على موازين القوة العسكرية وحدها، بل على القدرة على الربط بين الأمن والتنمية، وبين الاقتصاد والاستقرار السياسي. وقد أصبحت دول الخليج تمتلك خبرة متراكمة في هذه المجالات نتيجة التجارب التي خاضتها خلال العقدين الماضيين، واكتسبت قدرة على حجز مقعد إلى طاولة رسم السياسات المستقبلية.

 

ومن المتوقع أن يتركز الدور الخليجي خلال السنوات المقبلة على ثلاثة ملفات رئيسية؛ الأول حماية الممرات البحرية الدولية وأمن الطاقة، وهما أمران يرتبطان مباشرة بالاقتصاد العالمي. والثاني دعم استقرار الدول العربية الخارجة من الصراعات، مثل سوريا، من خلال الاستثمار وإعادة الإعمار والمساعدة في بناء المؤسسات الوطنية، أما الثالث فهو توسيع دور الوساطة السياسية؛ حيث أثبتت بعض العواصم الخليجية خلال السنوات الأخيرة قدرة متزايدة على بناء جسور التواصل بين أطراف متنافسة إقليمياً ودولياً.

 

كما أن نجاح مشروعات التحول الاقتصادي الكبرى في الخليج سيضيف بُعداً جديداً للقوة الخليجية. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الإنفاق العسكري، بل أيضاً بقدرة الدول على جذب الاستثمار والتكنولوجيا والكفاءات البشرية. وكلما تعززت هذه المكانة، ازدادت قدرة الخليج على التأثير في البيئة الإقليمية المحيطة به.

 

ويلفت النظر عدد من الدراسات الحديثة من باحثين أو مؤسسات غربية أشارت إلى التحول في الدور والمكانة لدول الخليج، منها على سبيل المثال كتاب ديفيد روبرت (2024) بعنوان «الخليج الجديد»، ودراسة طارق يوسف (2023) «الخليج: الجغرافيا الاقتصادية». وعدد آخر من الدراسات تلخص تنامي الدور الكيفي لدول الخليج في الاقتصاد العالمي، وذلك لم يحدث إلا بوجود عقول تدير هذا التحول بوعي، ما يوصلنا إلى نتيجة؛ هي أن مجلس التعاون يدخل مرحلة جديدة من تاريخه. فبعد أن كان هدفه الأساسي إدارة المخاطر، أصبح مطالباً بالإسهام في صناعة الفرص. وإذا نجح في تعزيز تكامله الداخلي وتطوير رؤية مشتركة للأمن والتنمية والاستقرار، فقد يتحول خلال السنوات الخمس المقبلة إلى أحد أهم مهندسي النظام الإقليمي المقبل. فالمستقبل لن يكون لمن يملك القوة، بل لمن ينجح في تحويل القوة إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى نفوذ مشروع ومستدام.

 

آخر الكلام: مَن يُحسن قراءة اللحظة يحجز مكانه في صناعة الغد.